خبر عاجلسياسةمقالات

اغتيال: الصدر وجنبلاط والحريري – أحمد جابر

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

اغتيال: الصدر وجنبلاط والحريري 

 

أحمد جابر – مناشير 

 

اعتمد الاستبداد العربي سياسة الاغتيال لإلغاء معارضيه، عندما تعذّر إسكاتهم، وامتدت وسائط هذا السلاح إلى المعارضين الخارجيين، فكان لهؤلاء نصيب من القتل الذي طال معارضي الدواخل العربية. أمّا لبنان، الذي بقي “عصيّاً” على الصمت حيال محيطه العربي المستبد، فقد دفع كلفة عصيانه، من دماء عدد من ساسته ومفكريه.

 

لبنانياً، يلحّ الراهن على استحضار ذكرى ثلاث من الشخصيات اللبنانية التي طبعت الحياة الداخلية بطابعها، والتي حاول أفرادها، وكل من موقعه ومن داخل محيطه، وطنية داخلية تعترض على النظام من داخله، وتطمح إلى دفعه إصلاحياً، ولا تنخرط في عملية انقلاب عليه، ودائماً بالانتساب إلى واقع السيرة اللبنانية، وبالبناء على ضروراتها، وعلى ما تتيحه من ممكنات واقعية. ضمن سياق هذه السيرة الهادفة، إصلاحياً ووطنياً، يندرج السيد موسى الصدر الذي اغتيل باكراً، وكمال جنبلاط الذي أسقطه الإستبداد الداخلي، قبل إسقاط جسده بواسطة المستبد الخارجي، ثم رفيق الحريري، الذي فاض ثقل حضوره عن احتمال موازين المهيمن القريب – البعيد، فجرى استبعاده بضربة الهيمنة القاضية.

 

1- لماذا موسى الصدر؟

قراءة السيرة من خاتمتها، ومن خلال ما طرأ بعد تلك الخاتمة، تقدم معونة استدلالية تضيء على جوهر الاختطاف الذي تعرّض له “الإمام” في ليبيا، ومن ثمّ إختفاء أثره فيها، خاتمة سيرة حياة الصدر، كانت سطور وضع يد على حركة المحرومين التي أسسها، من قبل “الداخل” المستتر أولاً، بثياب رسمية وبأثواب أهلية، ثم من قبل الخارج المهيمن، بنسخه المتعددة، وهذا أوصل إرث الإمام “المغيَّب” إلى طريق مغادرة منطلقاته الأولى، التي كان منها الانفتاح على مجموع الوطن، والدقّ على أبواب المؤسسة النظامية اللبنانية، والسعي إلى إنصاف المحرومين، الذين تشكل “الكتلة الشيعية” قاعدة اجتماعهم الداخلي الأهم، والأبرز. بعد الخاتمة، كانت التطورات التي يتوجها الواقع الراهن الحالي، حيث صارت “الشيعية” شيعيتين، وحيث باتت الهيمنة على قرارها مفردة ومزدوجة ومتداخلة، بين كثير من الخارج، وقليل من الداخل، وحيث باتت السمة الغالبة على الأداء السياسي للشيعية، سمة الخروج على السياق الداخلي العام، خروجاً يقارب “التمام” حيناً، ويقف على شرفته الخارجية أحياناً، لكنه يظل على مسافة من الانضمام إليه، انضماماً حقيقياً ناجزاً. في متن هذا البند “الشيعي السياسي”، يكمن فهم معنى إزاحة الشخصية الصدرية، معنى لا يخرج عن فهم معادلة البناء التسووي الإصلاحي الداخلي، الذي سعت إليه الصدرية، من ضمن مسالك النظام، وعلى جادة حفظ استقراره، وبالحفاظ على سلوك الانتظام في مدى جادة الانتظام العام. هذه الصدرية الإنتظامية، لم تكن مرغوبة من قبل الخارج الذي لا يرضى للوطن اللبناني انتظاماً، لذلك كان سعيه الدؤوب سعياً اضطرابياً، واختلالياً، ولا توازنياً، فهذا مما يمكّن لإعادة صناعة الشيعية وتظهيرها، على الصورة التي يراها اللبنانيون اليوم، لكتلة أهلية وازنة، تقف قرب الميزان، ولا تضيف ثقلها “الدمجي” إلى كفتي توازنه واتزانه.

 

2- لماذا كمال جنبلاط؟

كمال جنبلاط الذي أغتيل في السادس عشر من آذار سنة 1977، جمعته مع الصدر يوميات الحركة الشعبية اللبنانية الناهضة. لقد جاءت الجنبلاطية من موقع “المدنية” اللبنانية السياسي، ولاقتها الصدرية من موقع “المدنية الدينية” الاجتماعي، والإثنان، أي “المعلم” و”الإمام”، ساهمت في بلورة مواقفهما، وفي تطوير انزياحهما، وانحيازهما، حيوية الشارع اللبناني، الذي بلور برامجه في وثائق متوالية، وطوَّر صيغه التنسيقية الجبهوية، ونسّق تحركاته الاحتجاجية، مما جعل كل ذلك، إطاراً مناسباً لبلورة الشخصية القيادية للفرد، ولبلورة الإطار الجمعي، لهذه الحركة أو لذلك الحزب، مما أضفى استقلالية على البنى التنظيمية المتعددة، وأعطى شرعية وكيانية، للبنية الانتظامية التنسيقية الموحدة. في هذا السياق كان ذا معنى نضالي، انبثاق إطار الحركة الوطنية اللبنانية، كهيئة عامة لها شخصيتها الاعتبارية، وكان ذا مغزى سياسي واجتماعي، وجود كمال جنبلاط على رأس هذه الهيئة الجامعة، وكان واقعياً القول، إن الحركة الشعبية أضافت إلى الجنبلاطية الكمالية، بمقدار ما اضافت الجنبلاطية إلى الحركة الشعبية.

 

لقد جاءت الجنبلاطية من صفوف التشكيلة الرسمية العامة، واحتلت غالباً، موقع الاعتراض عليها، ولم تغب عنها “الإصلاحية الإنسانية” التي ظلَّت لصيقة بثقافة “المعلم”، لكن النظام الطائفي المقفل، لم يستطع، بنيوياً، الإستجابة للنسخة الجنبلاطية. كان الانغلاق الرسمي على الإصلاح، سبباً حاسماً في تبدّل الموقف الجنبلاطي، فذهب صاحبه إلى حدود ملامسة “الجذرية”، عندما أضاف وزنه السياسي الوطني العام، إلى خطاب الاستجابة لتحدي الحرب الأهلية، الذي اختاره النظام المغلق، واختارته أيضاً، أحزاب لبنانية وجدت في الحرب، سبيلاً مباشراً لبلوغ محطة “التغيير”، فكانت حرب السنتين خلال عامي 1975 و1976، ثم كان دخول القوات السورية في مواجهة جنبلاط، والحركة الوطنية، ثم كان لاحقاً اغتيال الجنبلاطية المتمردة، كتتويج لوأد مشروعها الشعبي الإصلاحي، وكنقطة بدء للتأسيس لوصاية مديدة، على الإرادة الوطنية اللبنانية العامة.

 

على سبيل الاسترجاع، لقد أُزيح كمال جنبلاط لأنه كان استقلالياً، وقُتل، لأنه رفض السجن العربي الكبير، ونُفي إلى موته، لأنه تمسّك بمعنى الإنسان الحرّ الذي سعى إلى كسر قيوده… وهذا وغيره، مما لا تحتمله طبائع الاستبداد، التي كانت تخشى امتداد نور “الشعلة” اللبنانية الحرّة إليها. انطفأت الجنبلاطية الكمالية، بضربة من الخارج، وبضربات تمهيدية وتحريضية، من الداخل، والمفارقة أن عناوين المحرضين، كانت من سيادة وحرية واستقلال… عناوين أسقطتها كل السنوات اللاهبة اللاحقة، وتسقطها اليوم، كل يوميات العبث الرسمي، بكل مقتضيات الإدعاءات السيادوية.

 

3- لماذا رفيق الحريري؟

جاء رفيق الحريري من خارج النادي السياسي الشعبي، الذي قدِم منه السيد موسى الصدر، ولم يكن واحداً من الصف السياسي المختلط، الذي خرج منه، وعليه، المعلم كمال جنبلاط، لكنَّ إسمه انضم إلى لائحة المقتولين، بسبب من محاولة إعمال ريشة لونه، في ألوان النسخة النظامية الإلتحاقية التي اشتد سوادها، وبانت ملامحها الكالحة. من هنا تنطلق عملية التممييز، قراءة واستخلاصاً، بين “نضالية” المحاولتين، الصدرية والجنبلاطية، وبين “مهادنة” النسخة الحريرية، وهذا تمييز يجد أسسه في الموقع الأصلي لكل من أصحاب المحاولة، بحيث يبدو الاختلاف جلياً، بين الشعبي الذي غلب على السلوك الصدري والجنبلاطي، والرسمي، الأهلي، الذي منه انطلقت سياسات الحريري، وفيها عرفت ختامها.

 

وإذا كانت لكل سياسة ظروفها، فإن ظرف الحريري اختلف عن اللذين سبقاه. فكما سلف، كان النظام اللبناني شريكاً “موضوعياً” في إنهاء ظاهرتي الصدر وجنبلاط، لكن النظام ذاته، كان خارج قرار اغتيال رفيق الحريري، وقد اقتصرت “مشاركته” على استتباع وتوظيف أفراد منه، من قبل الفاعل الأول، أي النظام السوري، الذي وجهت إليه أصابع الاتهام السياسي أولاً، ثم تكشف المشهد عن تداخل سوري – إيراني، وفق مطالعة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. التداخل المنوّه عنه، يصلح مقدمة لنص الاغتيال، والتطورات اللاحقة، تصلح تتمة وخاتمة لهذا النص. في المقدمة، يتوفر كثير من الواقعية على خلاصة تقول: إن التخلص من رفيق الحريري، كان كسراً لسياق نهوض فئة لبنانية داخلية، هي السنية السياسية، وهذا النهوض مرفوض وممنوع، لأسباب فئوية خارجية، ترى حماية مصالحها من خلال التمكين لفئويتها الأهلية الداخلية الخاصة. هذا الجزء من الهيمنة المذهبية الخارجية، المنسوب إلى السياسة الإيرانية، تقاطع مع الجزء الآخر من الهيمنة الاستبدادية السورية التي ساءها “النفس” الاستقلالي الحريري، الذي لم يتجاوز حدود مطلب “تليين” القبضة التعسفية الإلحاقية، التي رأى أنها تلحق الضرر بالمصالح المشتركة، السورية اللبنانية. كان ممنوعاً رفع الصوت، وكان ممنوعاً تضخم الحجم السياسي، وكان ممنوعاً رسوخ الرمزية الحريرية، فتمت الإطاحة بشخص “صاحب الممنوعات”، ولم تشفع له كل تقديماته السياسية، للعرب وللعجم، على حدٍّ سواء.

 

خلاصات راهنة:

القراءة السياسية الاسترجاعية، لا تتوخى التأريخ، بل تهدف إلى صياغة خلاصات راهنة، في ظلّ الانحدار السياسي والاجتماعي والأهلي، الذي دُفعت إليه الأوضاع اللبنانية. مما هو مفيد، راهناً، إعادة استخراج المعاني الأساسية من كل عمليات الاغتيال التي نالت من رموز سياسية لبنانية، ومفيد أيضاً، الوقوف أمام الأسباب التي سوَّغت للقتلة، استهداف تلك الرموز الوطنية. لقد جرت الإشارة إلى عناوين وطنية أساسية، منها السياسة والاستقلال والحرية والكرامة والإنسانية، وهذه، من العناوين الراهنة، التي ترتفع أصوات الشارع مطالبةً بها، ومنددة بالتجاوز عليها. التوسع الآن في معنى كل عنوان من تلك العناوين، سيضيف إليها معطيات تشحن الحالة الاعتراضية، والتدقيق في أطر الاعتراض وأساليبه، التي اعتمدها المعارضون السابقون، تُعين على فهم معنى التحالف والالتقاء والائتلاف، بين مكونات الحركة الشعبية، ولأن السياسة، فعل آني وقريب وبعيد، ولأن الرؤى متقاربة ومتباعدة ومختلطة، ولأن العمل السياسي المباشر هو صياغة الواقعي، الممكن والضروري والمجدي، فلا أقل من أن يعيد “ساسة الشارع” العام حساباتهم، فهم سيكتشفون حقاً، أن الهتاف والمشروع والمسير والسيرة… أبعد من “كلن… أو نصن… أو بعضهم”، وأن المطلوب التمسك بما ينفع الحركة الشعبية، وبما يمكث حقاً في شوارعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى