اتفاق جديد بين لبنان وفلسطين لنزع السلاح الفلسطيني المتواجد على الاراضي اللبنانية … (1-4)…

كتب المحلل السياسي د. خالد العزي في مناشير
بدأ الجيش اللبناني بتاريخ 28 اب/اغسطس 2025، بتسلم الدفعة الأولى من الأسلحة الفلسطينية من 3 مخيمات في مدينة صور جنوب لبنان، وهي الرشيدية، البص، والبرج الشمالي. وتضمنت الشحنة 7 شاحنات محملة بالأسلحة الخفيفة وقذائف B7، حيث دخلت إلى ثكنة فوج التدخل الثاني في الشواكير..
وتأتي هذه الخطوة في إطار تنفيذ خطة سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات في لبنان، والتي بدأت قبل أيام بتسليم السلاح من مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت. هذه العملية هي جزء من مقررات القمة اللبنانية-الفلسطينية التي عقدت في مايو الماضي بين الرئيسين جوزيف عون ومحمود عباس، والتي أكدت على سيادة لبنان على أراضيه وضرورة بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح.
من جهته، أعلن الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، أن الجهات الفلسطينية المختصة سلمت الدفعة الثانية من سلاح منظمة التحرير في المخيمات اللبنانية، مع التأكيد على استكمال عملية التسليم لبقية المخيمات
التوافق اللبناني الفلسطيني لبسط سيدة الدولة على ارضيها …
يشكل الاتفاق الذي تم التوصل إليه نص على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بما في ذلك المخيمات الفلسطينية، وذلك من خلال تشكيل لجنة مشتركة للإشراف على خطة طريق لتسليم السلاح الفلسطيني وفق جدول زمني محدد. يُنتظر أن يتم سحب السلاح الفلسطيني على مراحل، بما يضمن تسليم هذا السلاح بطريقة منظمة ومدروسة.
لكن هذه الزيارة لا يمكن عزلها عن الضغوط الدولية والإقليمية التي تسعى إلى نزع السلاح الفلسطيني من المخيمات، حتى لو كان ذلك بالقوة. هذه الضغوط تأتي كجزء من صفقة أوسع تشمل عدة أطراف ومناطق، من غزة إلى لبنان إلى طهران، ما يجعل التحديات أمام هذه الصفقة أكبر من مجرد حل محلي لبناني.
حرب الاسناد واسقاط السلاح الفلسطيني واللبناني
أسقطت حرب إسناد غزة التي شنّها حزب الله، وما تلاها من حرب إسرائيلية على لبنان، العديد من الخطوط الحمر التي كانت تُعد من المحرمات منذ اتفاق الطائف عام 1991، الذي أنهى الحرب الأهلية. في مقدمة هذه المحرمات كان سلاح حزب الله و السلاح الفلسطيني في مخيمات اللاجئين.
وقد تم ربط نزع سلاح حزب الله بجلاء الاحتلال الإسرائيلي عن مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وقرية الغجر، حيث كان يُعتبر سحب سلاح الحزب غير ممكن إلا بعد زوال هذا الاحتلال. أما سلاح المخيمات، فقد ارتبط بحل عادل للقضية الفلسطينية، والإقرار بحق العودة للاجئين، ولم يكن يُتوقع سحب السلاح من المخيمات إلا بتحقيق هذا الحل.
وفي خطاب تنصيبه رئيساً، تعهد العماد جوزيف عون، رئيس الجمهورية اللبنانية، بحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما تعهدت به أيضاً حكومة الرئيس نواف سلام في بيانها الوزاري. وقد تم تنفيذ عمليات نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني بشكل نسبي سلس على يد الجيش اللبناني.
أما فيما يتعلق بالسلاح الفلسطيني داخل المخيمات، فقد أصبحت مسألة نزعه أمرًا مفروغًا منه في التداول السياسي. وكانت هناك خطوة سابقة بتسليم السلاح المنتشر خارج المخيمات للجيش اللبناني، من فصائل كانت موالية للنظام السوري السابق، مثل فتح الانتفاضة” و الجبهة الشعبية-القيادة العامة.
في هذا السياق، نشر مركز الجزيرة للدراسات بتاريخ 29 مايو 2025 ورقة تحليلية للباحث أمين قمورية بعنوان السلطة اللبنانية في مواجهة تحديات نزع سلاح المخيمات الفلسطينية.
الورقة التي نشرها أمين قمورية تحت عنوان “السلطة اللبنانية في مواجهة تحديات نزع سلاح المخيمات الفلسطينية” تتناول التحديات التي تواجهها الحكومة اللبنانية في عملية نزع السلاح الفلسطيني من المخيمات. يتعرض قمورية في ورقته للعديد من الأبعاد السياسية، الأمنية، والاجتماعية لهذا الموضوع، ويحلل كيفية تأثير هذا السلاح على الأمن الوطني اللبناني والعلاقات بين الأطراف المختلفة داخل لبنان.
يبرز الباحث أن مسألة السلاح الفلسطيني في المخيمات تعتبر من القضايا الحساسة والمعقدة، نظراً لارتباطها بالقضية الفلسطينية وحق العودة للاجئين، وهو ما يجعل التعامل معها ليس مجرد قرار سيادي، بل يتضمن أبعادًا دولية وإقليمية. كما يشير قمورية إلى أن محاولات نزع السلاح قد تواجه مقاومة من بعض الفصائل الفلسطينية، التي ترى في هذا السلاح وسيلة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
الورقة تركز أيضاً على أن التعامل مع هذه المسألة يتطلب تنسيقًا بين مختلف القوى السياسية في لبنان، بالإضافة إلى التفاهم مع الفصائل الفلسطينية على آليات التنفيذ. وتعكس الورقة التحديات التي يواجهها لبنان في تحقيق استقرار داخلي وحفظ سيادته، في وقت يتزايد فيه التوتر الإقليمي.
عباس يرفع الغطاء عن السلاح الفلسطيني غير الشرعي
لكن زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان بتاريخ 19 يمايو عام 2025 جاءت في وقت حساس للغاية، حيث شهدت المنطقة تحولاً كبيراً في موازين القوى السياسية، خصوصاً في ظل استمرار هيمنة حزب الله على المشهد السياسي اللبناني والمساندة الإيرانية التي تكاد تكون كاملة. اللقاء بين عباس والرئيس اللبناني جوزيف عون في هذا العام أتى بعد تحولات إقليمية متسارعة كان لها تأثير مباشر على السياسة اللبنانية والفلسطينية على حد سواء.
مواقف الرئيس الفلسطيني من السلاح
تصريحات الرئيس محمود عباس تمثل تحولًا هامًا في الموقف الفلسطيني واللبناني تجاه السلاح الفلسطيني في لبنان. زيارة الرئيس محمود عباس في عام 2025 إلى لبنان كانت بمثابة نقطة فاصلة في مسألة السلاح الفلسطيني في المخيمات. عباس قطع الطريق على كل من يربط السلاح الفلسطيني بحق العودة، مؤكدًا أن هذا السلاح لا مبرر له في لبنان وأن الوجود الفلسطيني في لبنان هو وجود مؤقت تحت حماية الدولة اللبنانية، مما يمهد الطريق أمام الدولة لتولي مسؤولية الأمن في المخيمات.
تصريح عباس جاء ليقطع الطريق أمام الإعلام المرتبط بحماس وإيران، الذين كانوا يدافعون عن وجود السلاح الفلسطيني باعتباره أداة للدفاع عن المخيمات وحق العودة. هذا الموقف لا يعد جديدًا من حيث المبدأ، حيث سبق أن طرح الرئيس الراحل ياسر عرفات طرح موقفًا مشابهًا عام 1990 ، عندما قال إن السلاح الفلسطيني في لبنان غير مبرر وأنه على الدولة اللبنانية أن تتولى مسؤولية الأمن في المخيمات.
عرفات كان دائمًا يراعي العلاقة مع لبنان ويحاول إيجاد توازن بين دعم القضية الفلسطينية وبين احترام سيادة لبنان وأمنه. وبالتالي، كان يرى أن وجود السلاح الفلسطيني في لبنان بعد الحرب الأهلية لا يهدف إلى حماية الفلسطينيين بقدر ما كان أداة لتوظيف المخيمات في سياق النزاع الإقليمي والدولي. لذلك، كان يعتبر أن أمن المخيمات يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية لضمان الاستقرار في لبنان وحماية الفلسطينيين على حد سواء.
لكن، كما أشرت،إن النظام الأمني اللبناني السوري في ذلك الوقت كان يعارض بشكل قوي تسليم السلاح الفلسطيني إلى الدولة اللبنانية، بل كان يفضل إبقاء الوضع في المخيمات في حالة من الفوضى، بهدف استخدامها كورقة ضغط على الشعب الفلسطيني، وجعل الفلسطينيين يعتقدون أن السلاح هو الذي يحميهم من التهديدات، خصوصًا في ما يتعلق بحق العودة. هذا الموقف كان يخدم مصالح بعض القوى السياسية في لبنان وسوريا، الذين كانوا يرون أن إبقاء السلاح الفلسطيني في المخيمات يضمن لهم نفوذًا في هذه المناطق، ويعزز من حالة الفوضى التي يمكن توظيفها في المستقبل.
ومع مرور الوقت، كانت هناك قوى سياسية في لبنان وسوريا تتبنى موقفًا مغايرًا، حيث كانت تسعى لاستمرار حالة الفوضى في المخيمات للضغط على الفلسطينيين وإبقاء الورقة الفلسطينية في يدها، مما حال دون تنفيذ رؤية عرفات في تسليم الأمن إلى الدولة اللبنانية.
في النهاية لابد من القول بان موقف الرئيس الراحل ياسر عرفات في هذا السياق كان يعد جزءًا أساسيًا من تاريخ العلاقة بين لبنان والفلسطينيين فيما يتعلق بمسألة السلاح الفلسطيني. كان عرفات قد طرح في أكثر من مناسبة فكرة أن السلاح الفلسطيني في لبنان لا مبرر له، وأن على الدولة اللبنانية أن تتولى مسؤولية الأمن في المخيمات، وهو موقف ينسجم مع ما أكده الرئيس محمود عباس في زيارته الأخيرة عام 2025.
إذن، الموقف الفلسطيني من السلاح في لبنان له جذور تاريخية، وهو نابع من رؤية تُعلي من شأن سيادة الدولة اللبنانية وأمنها، وتنبذ الفوضى التي كانت تستخدمها بعض الأطراف في لبنان وسوريا لتحقيق مصالح خاصة.



