هل يوجد صراع خليجي: من يذّر الرماد في العيون؟

د. خالد العزي – مناشير
في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين دول الخليج تصاعدًا ملحوظًا من التوترات والصراعات الإقليمية التي بدأت تتخذ أبعادًا معقدة. هذه الخلافات ليست محض صدف، بل تأتي في سياق تباين المصالح الإستراتيجية، والطموحات السياسية، والمنافسات الاقتصادية التي نشأت داخل البيت الخليجي. ومع دخول أطراف إقليمية ودولية في هذا الصراع، ظهرت أسئلة حول من يقوم بـ “ذر الرماد في العيون” لتغذية هذه التوترات. فهل هي إسرائيل، التي تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة؟ أم إيران، التي تسعى لإبقاء دول الخليج في حالة ضعف؟ أم جماعة الإخوان المسلمين التي تثير الانقسامات بين دول مجلس التعاون الخليجي؟
إسرائيل وتأجيج التوترات الخليجية
إسرائيل كانت ولا تزال لاعبًا مهمًا في السياسة الشرق أوسطية. على الرغم من محاولات إسرائيل تعزيز علاقاتها مع بعض دول الخليج، خصوصًا الإمارات و البحرين من خلال اتفاقيات التطبيع، إلا أن هناك توترات خفية بين بعض دول الخليج وإسرائيل. العلاقة بين إسرائيل ودول الخليج لا تقتصر فقط على القضايا الاقتصادية والأمنية، بل تتعداها لتصل إلى الصراع الفلسطيني، الذي لا يزال يمثل قضية حساسة بالنسبة للكثير من دول الخليج.
إسرائيل قد تسعى إلى توظيف الخلافات الخليجية لصالحها، ليس من خلال التأثير المباشر على الصراعات الداخلية بين دول الخليج، بل عبر الاستفادة من تباين مواقف دول الخليج في معالجة القضايا الإقليمية. في هذا السياق، يمكن أن تساهم إسرائيل في “ذر الرماد في العيون” عبر تعزيز فكرة الانقسام الخليجي، مما يتيح لها تعزيز نفوذها في المنطقة، خاصة في مواجهة الأطراف التي لا توافقها في السياسات.
إيران وتحقيق النفوذ الإقليمي
إيران تُعد أحد الأطراف الأكثر تأثيرًا في الصراعات الخليجية. على الرغم من محاولات إيران التقارب مع بعض دول الخليج عبر قنوات مختلفة، إلا أن العلاقات لا تزال محفوفة بالشكوك. تسعى إيران دائمًا إلى توسيع نفوذها في المنطقة من خلال دعم جماعات غير حكومية وحركات سياسية تابعة لها. من خلال دعم مليشيات الحوثي في اليمن، و حزب الله في لبنان، ومجموعات أخرى في العراق، تسعى إيران إلى التأثير على أمن دول الخليج والسيطرة على مناطق استراتيجية.
إيران قد تستغل التوترات بين دول الخليج لتقوية موقعها، مستفيدة من غياب وحدة المواقف الخليجية. كما أن طهران قد تحاول “ذر الرماد في العيون” من خلال تعزيز الخلافات الطائفية والجغرافية بين الدول الخليجية، وبالتالي تحفيز الانقسامات التي تتيح لها مزيدًا من التوسع الإقليمي. وبدلاً من مواجهة مباشرة، تعمل إيران على تحريك الأزمات من خلف الكواليس، مما يجعل الدول الخليجية في حالة من الإرباك والصراع الداخلي.
جماعة الإخوان المسلمين وتأجيج الصراعات الداخلية
أما جماعة الإخوان المسلمين، فهي ليست غائبة عن هذا الصراع أيضًا. على الرغم من أنها تعتبر حركة إسلامية ذات طابع ديني، إلا أن الإخوان لا يقتصرون على العمل الديني فقط، بل يسعون أيضًا إلى التأثير على السياسة الداخلية لدول الخليج. الإمارات و السعودية، على سبيل المثال، تتبنى موقفًا معارضًا لجماعة الإخوان المسلمين بسبب المخاوف من أن أنشطتها قد تؤدي إلى تقويض استقرار الأنظمة السياسية في هذه الدول.
لكن الدعم لحركة الإخوان بشكل غير مباشر، يساهم في تأجيج الخلافات الخليجية، مما يزيد من توتر العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي. ومن خلال دعم جماعات معارضة وحركات سياسية داخلية، تساهم جماعة الإخوان في خلق بيئة سياسية غير مستقرة في بعض دول الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى “ذر الرماد في العيون” وتحفيز الانقسامات.
التنافس الخليجي: مصالح وطنية أم صراع على النفوذ؟
في ظل هذه الأطراف المؤثرة، هل يمكن القول إن التوترات بين دول الخليج تتجاوز مجرد “صراع على المصالح”؟ الحقيقة أن التنافس الخليجي غالبًا ما يرتبط بتطلعات دول معينة لزيادة نفوذها الإقليمي والعالمي. السعودية، كقوة اقتصادية وعسكرية رائدة في المنطقة، تسعى للحفاظ على مكانتها القيادية، بينما تسعى الإمارات إلى تعزيز دورها كقوة اقتصادية ومالية مستقلة.
التنافس بين الرياض و أبوظبي، والذي تجلى في عدة ملفات إقليمية مثل اليمن و التطبيع مع إسرائيل و العلاقات مع الغرب، يعكس بالأساس صراعًا على القيادة والنفوذ داخل المنطقة الخليجية. هذا التنافس قد يكون في ظاهره خلافًا حول السياسة الخارجية، لكنه في عمقه يتعلق بالحفاظ على المصالح الوطنية أولاً ومن ثم ترتيب الأولويات الإقليمية.
لا يمكن الجزم بأن طرفًا معينًا هو المسؤول الوحيد عن تأجيج الصراع الخليجي. إسرائيل و إيران و جماعة الإخوان المسلمين جميعهم قد يساهمون في “ذر الرماد في العيون” من خلال تحفيز التوترات وتعميق الانقسامات بين دول الخليج. ومع ذلك، يبقى أن التنافس بين هذه الدول غالبًا ما يكون مدفوعًا بمصالح وطنية واعتبارات إستراتيجية تتعلق بالحفاظ على الاستقلال الجيوسياسي والاقتصادي في وجه التحديات الإقليمية والدولية.
في النهاية، يبقى الصراع الخليجي مزيجًا معقدًا من الطموحات الإقليمية والحسابات الدولية التي تؤثر في سير الأحداث وتوجهاتها المستقبلية.



