هدم إهراءات بيروت.. تفجير آخر لذاكرة المدينة

مناشير
يحمل وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، أمين سلام، مشروع هدم مبنى الإهراءات الذي حمّى الشطر الجنوبي من بيروت من جريمة انفجار مرفأ بيروت يوم 4 آب 2020
ببساطة، أعلن الوزير سلام قبل أيام بدء استدراج العروض لمناقصة تنفيذ مشروع هدم الإهراءات واختيار الشركة التي ستتوّلى التنفيذ. ويستند سلام، حسب ما قال، على دراسة أعدّتها شركة خطب وعلمي حول كلفة هذا المشروع وتفاصيله، تمّت إحالتها إلى مجلس الإنماء والإعمار
في هدم مبنى الإهراءات، جوانب عدة. طمس للجريمة أولاً، وللذاكرة ثانياً، وللهوية ثالثاً. إضافة إلى العديد من الجوانب الأخرى التي لا بد أن يتمحور حولها الكثير من الأسئلة، أهمها كلفة الهدم ومن يتولّى التنفيذ وإلى أي جيوب ستذهب الأموال ولحساب من
خط أحمر
قبل بدء التنقيب عن الجهة التي يمكن أن يتم تكليفها تنفيذ المشروع، لا بد من الإشارة إلى أنّ هدم مبنى الإهراءات اليوم يؤثر بشكل أو بآخر على ملف التحقيق في جريمة انفجار المرفأ. سبق لأهالي شهداء وضحايا الانفجار أن رسموا خطاً أحمر حول إعادة ترميم المرفأ قبل الانتهاء من التحقيق وكشف الحقيقة وتحقيق العدالة. عملياً وأمنياً وقضائياً، لا قدرة لدى المعنيين على الإجابة عن إمكانية أن تؤثر عملية هدم الاهراءات على سياق التحقيق. مع العلم أنه على مقربة من الاهراءات تمّ تشييد عنبر جديد بني خصيصاً لإجراء التجارب ومحاكاة الانفجار الذي وقع يوم 4 آب
شاهد المجزرة والحقيقة
وفي سياق آخر، في هدم مبنى الإهراءات محو فعلي للجريمة. مدخل بيروت الشمالي شاهد على المجزرة التي تم ارتكابها. إلى اليوم، لبنانيون وأجانب يتوقفّون عند جسر شارل حلو لالتقاط الصور وإضاءة شموع أو الخشوع أمام أرواح تصاعدت من هذا المكان. مبنى الإهراءات، الذي نجّى عشرات الآلاف وحمى آلاف المباني في جنوبي العاصمة، معلم تاريخي. بدماره وشكله المشظّى وألواح الحديد المتهاوية منه، لحظة حقيقة وجريمة وعقاب
التدعيم والترميم
وفي هذا الإطار، يقول نقيب المهندسين في بيروت عارف ياسين لـ”المدن”، إنه ينظر “بمنتهى الخطورة إلى إزالة ما تبقى من منشأ الإهراءات لما يمثّل من رمز لما حصل للمدينة، ولما يمثّل من ذاكرة حيّة، والحكومات التي تحترم شعوبها تحافظ على هذه المعالم كشاهد على الجريمة حتى لا تتكرّر التجربة والمأساة”. فيؤكد ياسين على أنه “عملياً ليس هناك من منشأ أو مبنى لا يمكن ترميمه أو تدعيمه ليبقى رمزاً، والمحافظة على وجوده المعنوي والتاريخي الذي لا يقدّر بثمن قياساً بالتكلفة المادية للمحافظة عليه”. ويشدّد على أنّ نقاشات الخبراء في الهندسة الإنشائية والمدنية تؤكد على أنه يمكن تدعيم مبنى الإهراءات
التدمير والتهجير
ينفي ياسين وأعضاء آخرون بمجلس نقابة المهندسين في بيروت أن يكونوا قد اطلّعوا على أي دراسة تم إعدادها من أجل هدم مبنى الإهراءات. بالنسبة لياسين، لدى السلطة السياسية الحاكمة دائماً “تفكير غالب بالاستثمار والربح السريع على حساب البشر والقيم البشرية”. وفي هذا الإطار، يشير إلى أنه “مثل ما حصل في بيروت بعد الحرب الأهلية، إذ تم تدمير تراث بيروت المعماري وذاكرة المدينة بحجة الاستثمار والبناء وإعادة الإعمار، يتم اليوم دراسة تدمير مرفأ بيروت ومحيطه”. كأنه تفجير آخر لذاكرة المدينة بعد تفجير 4 آب
تهويل الوزير
قال الوزير أمين سلام قبل أيام “إنّ مبنى الإهراءات آيل للسقوط ويمكن أن ينهار إذا هبّت عاصفة قوية”. في كلام الوزير لا حسّ علمياً حسب ما يؤكد الكثير من الخبراء والمهندسين. وفي هذا الإطار، يلحظ نقيب المهندسين السابق جاد تابت، أنه “لا يمكن إعادة إعمار الإهراءات في المكان نفسه”. إذ يقول إنّ “الدراسات الهندسيّة تؤكّد أنّ أساساتها اهتزّت وانعوجت، بالتالي، لا يمكن إعادة الإعمار مكانها”. لماذا التهويل إذاً؟ لإقناع اللبنانيين بضرورة هدم الاهراءات وإعادة بنائها. لتمرير صفقة أو مناقصة والإبقاء على أسلوب تمويل جيوب السياسيين، من خلال شركات متعهّدة ومشاريع غير ضرورية وربما وهمية
مبنى هيروشيما البيروتي سيبقى شاهداً وحياً
كتب نادر فوز



