خبر عاجلمقالات

مراقبون وقناصة… وبطولة الغش الوطنية

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

مراقبون وقناصة… وبطولة الغش الوطنية


كتب الدكتور فواز فرحات في مناشير

في اليابان، يتركون الطلبة وحدهم في قاعة الامتحان. لا شرطي يقف عند الباب، ولا مفتش يختبئ خلف الستارة، ولا طائرة مسيّرة تحوم في السماء. فقط الطالب ودفتر الأسئلة، وحوار صامت بين العرق المتصبب على الجبين وبين الورقة البيضاء تنتظر الحبر.
أما عندنا، فالمشهد يختلف كليًّا؛ كأننا نستعد لتحرير القدس لا لإجراء اختبار في الجبر. تدخل اللجنة فإذا بها أشبه بموكب سلطاني: ثمانية مراقبين يتوزعون مثل قادة الألوية، ست دوريات تدور في محيط المدرسة وكأننا على وشك صدّ غارة، أربعة عشر قنّاصًا يعتلون الأسطح في وضعية “الرماية المباشرة”، وتسعة من رجال المباحث يراقبون حتى أنفاس الطلبة لعلها تُسَرِّب إشارة مورس إلى أوراق الإجابة.
تخيلوا الطالب المسكين وهو يفتح ورقته، فيجد السؤال الأول: “اثبت أن سين تساوي صاد”، فيكتشف أن الإجابة الأصح قد تكون إطلاق قذيفة دخان يهرب تحتها بزورق مطاطي!
ومع كل هذه الحشود، يحدث ما لا يحدث في اليابان الهادئة: عملية الغش تجري كما لو أنها مناورة عسكرية ناجحة في وضح النهار. تسقط “ورقة الغش ” بمهارة المظلي، تنتقل من يد إلى يد بخفّة لاعب سيرك، وتصل إلى الهدف النهائية وسط هتاف صامت: “يا إلهي كم أنت كبير يا لبناني!”.
المفارقة أن الياباني يخرج من قاعة الامتحان وهو يفتخر بجبينه المبلل بالعرق، أما ابن منطقتنا، فيخرج وهو يفتخر بسرعة بديهته في تمرير “نقطة الغش الوطنية الكبرى”. نهنئه، لكننا نخشاه؛ فمن هذا الطالب سيخرج مستقبلاً “المهندس العظيم” الذي قد يضع الجسر بالمقلوب، أو “الطبيب الجليل” الذي سيعرف الدواء من الواتساب.
إنها ملهاة عربية بامتياز، كأننا نمارس هواية تمثيل البطولات في غير ساحتها. والدرس واضح: لسنا بحاجة إلى كل هذه البنادق في لجان الامتحان، بل إلى ضمير واحد فقط، يساوي في قيمته جيشًا من المراقبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى