خبر عاجلمقالات

في الحاجة إلى استعادة المبادرة وإعادة بناء الموقع الاجتماعي – زكي طه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

في الحاجة إلى استعادة المبادرة وإعادة بناء الموقع الاجتماعي – زكي طه

 

زكــي طــه في بيروت الحرية

 

اليسار ومقاعد الانتظار

 

الاختلاف جزء من طبيعة السياسة، والصراع أحد محركات التاريخ. ولا سياسة من دون نقد ومساءلة، كما لا فكر حياً من دون مراجعة. لكن السؤال يبدأ عندما يتغير موقع النقد ووظيفته: متى يفقد الخطاب السياسي استقلاليته؟

 

يفقدها حين يصبح أسيراً للآخر، عندما يتحول الخصم من موضوع للنقد والصراع إلى مرجع لتنظيم طريقة التفكير، فيصبح ما يفعله أو لا يفعله معياراً للمواقف، ومحدداً للأسئلة وجدول الأعمال السياسي.

 

هنا تكمن إحدى أعمق أزمات قوى اليسار اللبناني اليوم. وهي، قبل أن تكون أزمة موقف أو شعار، أزمة موقع ودور ووظيفة: الانتقال التدريجي من موقع الفاعل إلى موقع المراقب، ومن مشروع يسعى إلى إنتاج قوة اجتماعية قادرة على التأثير، إلى خطاب ينشغل بتفسير قوة الآخرين وانتظار أخطائهم بديلاً من بناء قوته الخاصة.

 

وحين يحدث ذلك، لا يعود الخصم مجرد طرف في الصراع، بل يصبح، من حيث لا يدري أصحابه، مركزاً لإدارة التفكير السياسي نفسه.

 

النقد ليس بديلاً عن الفعل

 

ليس المقصود التقليل من شأن النقد. فهو ضرورة لا غنى عنها، وكشف تناقضات القوى السياسية ومصالحها جزء أصيل من أي ممارسة تغييرية. لكن النقد يفقد وظيفته عندما يتحول إلى غاية مستقلة عن الفعل، أو إلى تعويض عن غياب المبادرة.

 

فكشف تناقضات الخصم ليس بديلاً عن مواجهة تناقضات الذات. والنقد وسيلة لتغيير الواقع، لا وسيلة لتبرير العجز عن تغييره.

 

والأكثر إشكالية أن يدفع الضعف تنظيمات اليسار إلى مطالبة قوى اجتماعية وسياسية مختلفة عنه في بنيتها ومصالحها ورؤيتها بأن تقوم بالدور الذي يفترض أن يؤديه هو. وكأن المطلوب من الآخرين أن يحملوا مشروعها، ثم تجري محاسبته لأنهم لم يفعلوا.

 

السياسة لا تقوم على الأمنيات. فالقوى تتحرك وفق شروط تكوينها ومصالحها وموازين القوى التي تحكمها. واليسار لا يستطيع أن يستعير وظيفته من الآخر، كما لا يستطيع أن ينتظر منه أن يؤديها نيابة عنه.

 

ومن السهل رد الفشل إلى أخطاء الآخرين، أو تحميلهم مسؤولية ضعف التنظيم وتراجع مشاركة الناس وانحسار التأثير. أما الأصعب فهو سؤال الذات: ماذا فعلنا؟ ماذا أضفنا؟ ما علاقتنا بالناس؟ هل ما زالت الفئات التي نتحدث عن مصالحها تجد فينا قوة تعبّر عنها؟ وأين موقعنا ووزننا الاجتماعي الفعلي؟

 

هذه الأسئلة ليست جلداً للذات. إنها المدخل الضروري إلى استعادة القدرة على الفعل.

 

صحة الفكرة لا تكفي

 

في السياسة، لا تكفي صحة الفكرة لكي تصبح مؤثرة. فالأفكار لا تتحول إلى قوة تاريخية بمجرد صوابها، وإنما عندما تجد طريقها إلى المجتمع، وتتصل بمصالح الناس، وتتحول إلى وعي وتنظيم ومبادرة وحركة.

 

التاريخ لا تصنعه الأفكار المعزولة عن الناس، كما لا تصنعه حركة تفقد بوصلتها الفكرية. والعمل المنظم هو الذي يمنح السياسة وجودها المادي، ويصل بين الفكرة والمصلحة الاجتماعية والقدرة على التأثير.

 

لهذا فإن التنظيم ليس مسألة تقنية أو إدارية، بل قضية سياسية وفكرية. وحين تتراجع القدرة على الفعل المنظم، يصبح من السهل أن يحل التحليل محل المبادرة، وأن تتحول مراقبة الآخرين إلى نشاط سياسي قائم بذاته.

 

وأزمة أي حركة يسارية تظهر، في نهاية المطاف، في طبيعة علاقتها بالمجتمع. فالحضور بين الناس، والقدرة على التعبير عن مصالحهم وتنظيمها وإطلاق المبادرات السياسية والاجتماعية، هي الامتحان الحقيقي، وليس رفع الشعارات أو تكرار خطاب العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الشعبية.

 

وحين يتراجع هذا الحضور، تتسع المفارقة: يكثر الحديث عن الناس بعيداً عنهم، وعن الصراع من خارج ساحاته، وعن التغيير كما لو كان فكرة مجردة، لا عملية تاريخية مجتمعية تراكمية، طويلة ومتعرجة وصعبة.

 

التاريخ لا يمنح شرعية دائمة

 

لليسار اللبناني إرث نضالي غني. وقد عرف لبنان مراحل ارتبط فيها الموقف الفكري والسياسي بالمبادرة والنضال الجماهيري، وحضرت فيها القوى اليسارية في التحركات الشعبية والنقابية والطلابية والوطنية.

 

لكن التاريخ، مهما كان غنياً، لا يكرّس شرعية دائمة لأحد. كل جيل يخضع لامتحانه، وكل مرحلة تفرض أسئلتها وأشكال صراعها. والإرث النضالي يكتسب قيمته من قدرته على التجدد، لا من الاكتفاء باستحضاره. فتاريخ الحركات التغييرية هو تاريخ تجاربها، بما فيها من نجاحات وإخفاقات وأخطاء ومراجعات وإعادة بناء.

 

ولهذا يصبح السؤال اليوم: أين اليسار في الميدان، لا ماذا يقول فقط؟ المشكلة ليست في نقد القوى الأخرى، بل في جعل هذا النقد مركز الوجود السياسي. وليست في تحليل موازين القوى، بل في انتظار تبدلها من دون العمل على التأثير فيها. وليست في خسارة معركة سياسية، بل في فقدان القدرة على التعلم منها وإنتاج المعرفة وتجديد التنظيم وإعادة بناء الموقع الاجتماعي.

 

فاليسار ليس مجرد موقع نقدي، ولا ذاكرة نضالية، ولا مجموعة مواقف صحيحة. إنه محاولة لتحويل قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني والديمقراطية ومصالح الفئات الشعبية إلى قوة اجتماعية وسياسية منظمة وقادرة على المبادرة.

 

ومن يفقد القدرة على المبادرة يترك للآخرين، من حيث يدري أو لا يدري، أن يحددوا له ما يناقش، ومتى يناقش، وحدود ما يقول. فاليسار الذي يحتاج البلد ليس يساراً يتوقف عن نقد الآخرين، بل يساراً لا يسمح لنقدهم بأن يعفيه من نقد ذاته وبناء قوته.

 

التاريخ لا يمنح الفرص لمن يقيم على مقاعد الانتظار، بل لمن يمتلك القدرة والإرادة على المشاركة في صناعتها. السؤال الحقيقي أمام اليسار ليس: متى يتغير الآخرون؟ بل: كيف يستعيد موقعه الاجتماعي، ويعيد بناء قوته، ويسترد قدرته على المبادرة والفعل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى