عودة “الجهوزية” في الخطاب الإعلامي: بين الحرب النفسية الإسر/ائيلية واستثمار الرأي العام اللبناني

خاص مناشير
تزايدت في الأيام الأخيرة التقارير الغربية والعربية والإسرائيلية التي تتحدث عن أن حـ ـز ب الله عاد إلى جهوزيّته العسكرية الكاملة، وأنه أعاد ترتيب صفوفه بعد جولات القتال الأخيرة.
التزامن اللافت بين هذه التقارير، وتشابه لغتها ومصادرها، ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو رسالة مركّبة تتجاوز حدود التوصيف العسكري إلى حرب نفسية ممنهجة، تستهدف الداخل اللبناني والإقليمي على حدّ سواء.
فمهما كانت هذه التقديرات دقيقة أو مبالغًا فيها، فإنّ التركيز الإعلامي المنسّق على فكرة “خطورة الحزب” و“تجديد قدراته” يستوجب الحذر والقراءة النقدية، لأنّه ليس بريئًا من الأهداف السياسية والإعلامية.
قد تبدو هذه التقارير مريحة لجمهور الحزب وأنصاره، إذ تعزّز صورة “الجهوزية” و”الردع” أمام إسرائيل.
لكنها في الوقت ذاته، ومن زاوية أخرى، تخدم الدعاية الإسرائيلية نفسها التي تقوم على تبرير استمرار العمليات والهجمات بحجة “الخطر القائم”.
ففي المعادلة الإعلامية الإسرائيلية، كل تقرير يتحدث عن “قوة الحزب” هو مادة تبريرية مسبقة لأي عدوان جديد.
الإعلام الغربي… تغطية أم تمهيد؟
من بين هذه التقارير، برزت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، وهي معروفة تاريخيًا بانحيازاتها.
ذكرت الصحيفة أن الحزب أرسل مقاتلين إلى معاقله في البقاع وأنه يعيد ترميم قدراته العسكرية بسرية تامة.
لكن هذا الطرح – في جوهره – ليس إلا تغطية ناعمة لتبرير أي توسّع محتمل في الاستهداف الإسرائيلي نحو البقاع اللبناني.
فحين تُوصف التحركات بأنها “سرية”، يصبح الإعلام الإسرائيلي والغربي وحده هو “المصدر الموثوق” الذي يملك حقّ كشفها وضربها.
كما تحدّثت الصحيفة عن “قيادة شابة” و“بنية عسكرية متطورة”، وهي معلومات يعرفها اللبنانيون منذ زمن، لكنها حين تُقدَّم بهذا السياق، فإنها تخدم المنطق الإسرائيلي الذي يقول إن الحزب تأقلم وتسّلح واستعدّ مجددًا، وبالتالي فإن مشروعية استهدافه قائمة.
وول ستريت جورنال… النسخة الأميركية من السردية ذاتها
أما صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، فقد أعادت تدوير الخطاب نفسه بلغة أكثر تصعيدًا:
“تزايد احتمالية الحرب لأن الحزب أعاد تسليح نفسه.”
“يخزّن الصواريخ والمضادات للدبابات والمدفعية.”
“بعض هذه الأسلحة تصل إلى الموانئ اللبنانية أو تهرّب عبر سوريا.”
وراء هذه اللغة تكمن رسائل خطيرة، إذ تفتح الباب أمام شرعنة أي ضربات إسرائيلية للمرافئ والمطارات والمعابر اللبنانية، بحجة منع تهريب السلاح أو تخزينه.
كما أن الإشارة إلى “سوريا” كمسار للتهريب تخدم دعاية مزدوجة: إسرائيلية من جهة، وداخلية سورية من جهة أخرى، حيث تستفيد سلطات الأمر الواقع من هذا الخطاب لتبرير قبضتها الأمنية.
“خطة التعافي” وغطاء التضليل الاقتصادي
ولم يغب البعد الاقتصادي عن المشهد الدعائي، إذ ترافق الحديث عن “عودة الجهوزية العسكرية” مع تسريبات تقول إن واشنطن تعدّ خطة إنقاذ اقتصادي للبنان بمليارات الدولارات، بدعم عربي، بهدف تشجيع الحزب على نزع سلاحه.
قد يبدو هذا مطمئنًا للبعض، لكنه توقيت مريب: فحين تُطرح “الجزرة الاقتصادية” تزامنًا مع “العصا العسكرية”، يكون الهدف خلق بيئة ضغط متكاملة، سياسية وإعلامية واقتصادية، تُحاصر الحزب وتضعف موقفه الشعبي.
قراءة في التناغم الإعلامي
إنّ التناغم الواضح بين المنصّات الغربية والعربية والإسرائيلية في هذا الملف لا يمكن اعتباره صدفة.
إنه يعكس إجماعًا على خطاب وظيفي واحد، جوهره أن “الحزب خطر” و”السلاح متجدّد”، وبالتالي فإنّ كلّ استهداف مستقبلي سيكون “مبرّرًا”.
إنها إعادة إنتاج مدروسة للرواية الإسرائيلية في ثوب صحافي غربي رصين، بغية إضفاء الشرعية السياسية والأخلاقية على عمل عسكري قد يكون قيد التحضير أو التلويح به.
في ضوء هذا المشهد، لا يمكن قراءة التقارير الأخيرة بوصفها “تحليلات موضوعية”، بل بوصفها جزءًا من الحرب النفسية المستمرة على لبنان، هدفها تهيئة الرأي العام المحلي والدولي لقبول أي تصعيد قادم.
سواء صدقت هذه التقارير أم لم تصدق، وسواء كانت “الجهوزية” حقيقة أم تهويلًا، فإن المتغيّر الأخطر اليوم هو التوحّد في الخطاب ضد الحزب، وتزامن الحديث عن “الخطر” مع “الحلول الاقتصادية”، وهو ما يستدعي أقصى درجات الحذر الإعلامي والسياسي.
فحين تتحدّث الصحف الغربية عن “خطر” حزب الله، لا تتحدث بالضرورة عن لبنان، بل عن مبرّر جديد لإسرائيل.



