عام على الإنتفاضة.. قراءة في مسارها – حسين الموسى

حسين الموسى
بعد إنتهاء الحرب الأهلية العبثية المدمرة عام 1990، أتُخذ قرار تركيب مفاعل “منظومة سياسية جديدة الوظائف” تأخذ من قوة النظام الطائفي ـ المذهبي مظلتها الشرعية الداخلية دعماً لنفوذها وهيمنتها، ويناط بها سلطة الحكم والتحكّم بكل مؤسسات الدولة، هذه الحرب العبثية التي فرضت على الشعب اللبناني قبول أي تسوية سياسية تنهي مفاعيل القتل المجاني، على أن تأتي بالسلم الأهلي مهما كانت الثمن، وحتى لو كان الحفاظ على مصالح الطوائف وزعمائهم وميليشياتهم ونفوذهم على رأس المؤسسات وداخل إدراتها من أولوياتها على حسب بناء الدولة وقيام الحكم العادل. وهذه المنظومة من أهم شروطها أن تمتهن مبدأ التبعية والألتحاق وهذا المسار كفيل أن يولّد حكماً فاسداً وإنهياراً وإلتحاقاً، وأن تساهم من خلال دورها تقديم الوطن ساحة صراع ورسائل متبادلة، وعلى هذه الترسيمة لم يكن القرار عبثياً لدى النظام البعثي السوري الذي خصّب فكرتها وإختار عناصرها، وكان قد انتزع صمتً عربياً له، وتوكيلاً أميركياً لدوره، وترحيباً لبنانياً لوصايته، قد يقول قائلاً ان هذا التحليل في غير مكانه، أوهناك شك حول عملية التركيب والتخصيب وهو أمر طبيعي، لأن من المنطق يعتمد على الوعي المجتمعي ودور قواه المجتمعية وأحزابه ونقاباته، رفضاً لهذا الأمر، فيأبى تصديق نعومة ما نعرضه. نعم إن كل رفض أو اعتراض او شك في موقعه لو أن نظامنا القائم نظاماً علمانياً ديمقراطياً تتصارع فيه الاحزاب الوطنية والديمقراطية العلمانية على بقائه وطناً مستقلاً سيداً حراً يحكمه القانون العادل وتكون كلمة الفصل فيه للشعب، وليس وطناً أسس على مبدأ طائفي ـ مذهبي تتحكم المحاصصة الطائفية بكل مقاليده. وعليه، نجد في الأساس أن هذا النظام الطائفي هو المسؤول الاول عن تشريع الأبواب لإتخاذ مثل هذه الخطوة التي دمرت كل مقومات البلد وما قد حصله خلال العقود الماضية من ثقافة وتطور وقد نجحوا في تكبيله وسوقه الى التهلكة، وهذا النجاح وفّر للمنظومة ديمومة إستمرارها على قيد الحياة تمارس سياستها الترهيبية والترغيبية مع شعبها طوال فترة خمسة عشر عاماً أمضاها هذا الشعب تحت رعاية وأشراف الوصاية السورية التي أمنت للمنظومة مصالحها ونفوذها بقوة نظامها الطائفي ونفوذ راعيها الخارجي، كما شرّعت أيضاً لراعيها الأقليمي أبواب اللعب بمصير البلد كيفما شاء، وكيفما هوت مشاريعه وأطماعه وأحلامه ومصالحه. ولم تتراجع أو يتحجّم دورها عند خروج الوصاية العسكرية السورية عن الأراضي اللبنانية عام 2005، بل تابعت مسيرة الفساد، فأنشأت لنفسها وحولها ميليشيا مسلّحة وشبيحة داخل وخارج إدارات ومؤسسات الدولة، كي تضمن نفوضها في القرار والدور من أجل الحفاظ على مصالحها اللاحقة ومكتسباتها التي حصلتها، فأمعنت في تدمير المؤسسات العامة، وحاربت كل أشكال الممارسات السياسية الوطنية، فأفنتها من دور النقابات المهنية ـ العمالية الفاعلة والمؤثرة، ومن بقيى منها على قيد الحياة أمسكت به وحولته الى أبواق تعمل لخدمتها، ثم أنشأت لنفسها نقابات بديلة تأتمر بأمرها،
أهمية الاستحقاقات الإنتخابية التي تكفل في مساراتها الشفافة تأمين مساحة حرة لدور فاعل وجاد لقوى وشخصيات وطنية معارضة، تبرز إعتراضها بوجه ما تفرضه من هيمنة ونفوذ عبر سلطاتها المتعاقبة على نهب البلاد
وذهبت إلى تزوير كل أنواع اللعبة الديمقراطية قانوناً وتصويتاً مع كل إستحقاق إنتخابي حيّز التطبيق، حيث تدرك أهمية الاستحقاقات الإنتخابية التي تكفل في مساراتها الشفافة تأمين مساحة حرة لدور فاعل وجاد لقوى وشخصيات وطنية معارضة، تبرز إعتراضها بوجه ما تفرضه من هيمنة ونفوذ عبر سلطاتها المتعاقبة على نهب البلاد، وبعيداً عن أصل الأزمة البنيوية للنظام الطائفي، فإن هذا التدمير الممنّهج الذي مارسته المنظومة السياسية جعل المجتمع اللبناني يقيم في تبعيته الطائفية، وملتحقاً وهشاً حتى حدود الذوبان، وبات مقفل على أي تغيير جذري يخرج فيه من شرنقة الطائفية والمذهبية، هذه الشرنقة التي أثقلته بالنعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية والعشائرية والحزبية، كما جوفته من الداخل وملأت في جوفه الخنوع والأستسلام والخوف والقلق الدائم من كل آخر، وجعلت منه بريداً سريعاً يبعث رسائل الخوف والقلق الى كل آخر أيضاً.
أمام هذا الواقع المرير، لا يمكن لها أن تقفل دون عودة، ولم يعدم الرهان والأمل، بل ظل الرهان قائماً على تلك الشريحة الوازنة والصامتة من الشعب اللبناني التي كانت تحجم عن لعب دورها في كل استحقاق انتخابي أو غيره من المناسبات، وكانت تأخذ في صمتها خيارها الاعتراضي على واقعها بوجه السلطة، وإبتعدت مسافة بانت واضحة عن المكوّنات التابعة للمنظومة والملحقين بها وبتأثيرها، وفي نفس الوقت تلمّسنا أنها تتريث إلى حد التمنّع عن هدم الهوة الشاسعة التي تفصل بينها وبين أي التزام فكري ـ سياسي جديد أو سابق وموروث، أو حتى بناء جديدها. ولقد إستغلت السلطة هذا الصمت المديد في تحصين جدران حمايتها، وقد ضمنت لنفسها إرتياحاً غير مسبوق من خلال ما وفرته لبيئتها الحاضنة من وظائف ومساعدات ووعود ضمنت فيها أصواتهم ورضوخهم أطول مدة زمنية وما زال الأمر سيان، ولم يفوتها أن تعبث بملفات كل معارض لنهجها القائم تشهيراً أو تلفيقاً، لأن أي حالة إعتراضية حاولت أن تسعى للتكوّن داخل الرعيّة أمر يتناقض مع مشروعها وسلطاتها المتعاقبة، حيث ينظر إليها كحالة ديمقراطية تغييرية، وأي بروز لحالات ديمقراطية سلّمية تعتبر خطوة متقدمة في عملية التأثير الإيجابي لدى هذه الشريحة الصامتة التي ترصد وتراقب كل ما يحدث، دون الإفصاح عن مدى فاعليتها وقدرتها على إحداث أي تغيير، والصمت بحد ذاته أمراً إعتراضياً هادفاً يضمر أن التغيير أمر راسخ في أدبيات ومفاهيم أهله واقعاً ومستقبلاً. وهذا الأمر شهدنا ترجمته في ساحات الإنتفاضة، عندما زحفت هذه الشريحة إلى فضاء ساحاتها كي تنزع عنها ثوب الصمت الطويل، فعثرنا في صمتهم على وطناً يشبه أحلامهم، وفي زحفهم نحو الوطن المنشود تزاحمت فوق رؤوسهم الأحداث والمشاريع، فوجدوا أنفسهم أمام كم هائل من القضايا المطلبية الحيوية المطروحة التي ثاروا من أجلها، وأمام تحديات كبرى تحتاج الى نفس نضالي طويل.
هل شهد الوطن منذ نشوء هذه المنظومة السياسية الحاكمة ولادة قوى إعتراضية نقيضة لها؟ أم ان هذه القوى في الأصل موجودة وجاهزة ومترقبة تحمل في جعبتها الخطاب الواضح والصريح الذي يعكس برنامجها الانقاذي؟
وعلى ما ذكر، هل شهد الوطن منذ نشوء هذه المنظومة السياسية الحاكمة ولادة قوى إعتراضية نقيضة لها؟ أم ان هذه القوى في الأصل موجودة وجاهزة ومترقبة تحمل في جعبتها الخطاب الواضح والصريح الذي يعكس برنامجها الانقاذي جواباً على ما أوصلتنا اليه هذه المنظومة؟ لا يحتاج أي متابع ولو بالحد الادنى لمجرى الاحداث في البلد أن يجاوب: لم يشهد البلد أي إعتراض جدي ومسؤول وواقعي قارع نفوذ هذه المنظومة على مساحة الوطن منذ ولادتها، بل كانت تصارع نفسها من أجل تحسين شروط حصصها. بما أن الجواب البديهي هو جواباً سلبياً، يحضر لأهل المتابعة والترقّب سؤال: أين دور القوى اليسارية والعلمانية التي تصنّف نفسها قوى إعتراضية؟ وهل استطاعت تنسيب أزمتها الى أزمة البلد كي تقدم نفسها مرة جديدة أهلاً لمشروع إنقاذي بديل؟ أم إستحضارها الدائم لتجاربها السابقة “دون تعديل” هو الجواب الشافي على كل أزمة؟ وهل الحضور الفلكلوري الموسمي أمر يخوّل أصحابه التحدث بأسم الحركة الشعبية؟ وهل مطلوب من الآخرين الالتحاق بهم مع كل إعلان عن البرامج والبيانات والتوجهات السياسية؟
أمام واقع الإنهيار الكامل لكل مؤسسات الدولة، وأزمة قوى الاعتراض وضمورها، وحال الوضع الاقتصادي ـ المعيشي المتدهور الذي أوصلتنا اليه هذه السلطة، وفي لحظة مصيرية ضبابية الرؤيا وغير متوقعة أو غير منتظرة في حدود الزمان على الأقل، إنطلقت في سماء الوطن شرارة إنتفاضة السابع عشر من تشرين الاول عام 2019، حيث تحركت شرائح واسعة التشكّل والإنتماءات منتفضة على واقعها وعلى المنظومة الحاكمة وفسادها، نزلت ساحات بيروت غاضبة وبقوة، تريد محاسبة ومحاكمة كل من تناوب على السلطة وأمعن في فقرها وقتلها وجوعها وإذلالها، دون تمييز بين حاكم قديم أو مسؤول جديد، رافضة ما آل إليه واقعها الكارثي ومستقبلها المجهول الأفق، وإعتراضاً لعدم الإقدام على تحمّل المسؤولية وتخليهم عن تأمين الحد الأدنى لبقاء هذا الوطن على قيد الحياة، بل رأت في واقعها المأزوم مع هذه المنظومة، أن أنواع الموت الزاحف هو الوعد الأكثر صدقاً من كل وعدوهم الزائفة. فكانت إنتفاضة 17 تشرين 2019 هي الجواب على السؤال: أين دور الشعب، ولماذا استسلم وصمت على ما يجري بحقه اولاً وبحق الوطن من كوارث ثانياً؟
إن إنتفاضة السابع عشر من تشرين كانت الأكثر حشوداً بوجه المنظومة على مدار ثلاثة عقود من بدء سيطرتها، وهي الأكثر غضباً، وكانت الأكثر أملاً مع إنطلاقتها، ملأت ساحات العاصمة، ثم انتقلت الى كل ساحات الوطن، صرخت، ثارت، وقالت رأيها بوضوح عن كل شيء متخطية خوفها، كما حطمت كل الحواجز السابقة، عبّرت عن وجعها ورفضها بطريقة حضارية سلمية مؤثرة، أطلقت بوجه هذه المنظومة شعارها الشهير الذي يشمل كل المنظومة دون تمييز “كلن يعني كلن” إلى المحاسبة. كبر رهان البعض عليها، وشعر هذا البعض أن الإنتفاضة تبعد خطوات قليلة عن مقاليد استلام السلطة، دوت أصوات تطالب السلطة بالرحيل، أن البديل أصبح جاهزاً، وأطلق نشيد الموتى للسلطة ونظامها مع غروب كل شمس، وطاف قسماً كبيراً من منظريها فوق أمواجها يرتدون الكرافتات، ويحلمون بالمناصب، ومنهم من أستغل، ونظّر، ومنهم من أحترم حجمها وتعامل معها بوعي، بحذر، بترقّب واندفاع نحو تفعيلها وتزخيمها. وعليه، لقط المتحكّم بالسلطة والوطن أنفاسه وبقوة، وأعاد بناء الحواجز التي تفصل بين الحلم والواقع، هددها، خونها، خوفها، مارس القمع عليها، وعليه، بات نفس الانتفاضة يضيق من ساحاتها إلى زواريبها ثم قاعاتها، وأصبح جسمها المارد يأخذ شكلاً نحيلاً، وساحاتها تعرّي قوافل وأسراب تنسيقياتها، كل هذا حصل فيها ومعها، وعداد أيامها يكبر، والأسابيع تتراكم فوق بعضها، وأوراق الأشهر تتساقط من رزنامة عمرها، غزاها الشيب والضمور، إنهزمت الشعارات الكبرى التي أثقلت ظهرها، ومعها إنهزمت الحركات الفلكلورية، ولم تعد تصنع اللغة الخشبية القديمة الواح نجات من عواصف المد الطائفي وشبيحته. إرتبكت السلطة مع إنطلاقتها الجارفة، ولكنها سريعاً نقلت هذا الارتباك والترقب من ملعبها الى ملاعب الانتفاضة، ومن ثم إلى الفئات المتضررة منها والتي غازلتها لحظة الانطلاق. انتزعت الإنتفاضة من السلطة تراجعها عن الجهر بالنهب والفساد، وبدورها سجلت السلطة على الإنتفاضة أنها تراجعت هي أيضاً عن الضغط والتأثير وحتى عن الازعاج. نحن أمام إنتفاضة تقيم في غرفة الإنعاش، تتنفس على آلة ولادتها، فهل يتصارح أهلها فيما بينهم عن أسباب مرضها كي يبدأ برنامج العلاج؟ أما الإنتفاضات بطبعها لا تموت، تهدأ، تموج، ترفض الإحتضار، تجميع أنفاسها كي تعود من جديد، لأنها متمسكة بأمل الحياة، ترفض الهزيمة بوجه جلادها، فهل ما أصابها متوقع؟ لأنها قارعت نفوذاً طائفياً مسلحاً يرفض التنازل؟ كما هي ترفض إنتحارها لأن مبرر وجودها قائم، طالما يحكم هذا الوطن نظاماً طائفياً وميليشيا وهما ولادا أزمات دائمة، والازمات ولادة إنتفاضات على الدوام.
إن هذا المولود الواعد الذي مثل شرائح وفئات رفضت الانخراط في طوائفها وأحزابها، من المسؤول عن فشلها وضمورها؟ كيف سلك بناء الحاجز الذي فصل بينها وبين من ثارت لأجلهم ولأجل حقوقهم طريقه السهل؟ لماذا وقع الطلاق وحلّ التراخي مكان الزخم والتأثير؟ هل من حقنا أن نرمي أزمتنا على هذا الجيل الذي رأى في الإنتفاضة مشروع أحلامه؟ هل المسؤولية يتحملها هذا الجيل أيضاً الخاوي من عصب التجربة والممارسة السياسية والنفس الطويل في النضال من أجل إنتزاع الحقوق والتدرج في المطالب؟ هل التعثّر المستمر في التوافق على إعلان برنامج إنقاذي ترفعه تنسيقيات الإنتفاضة يحمل الخلاص للأزمة الراهنة هو من إختصاصه أم من إختصاص أهل الثقافة والعلم “والأنتلجنسيا”؟ هل التشتت الحاصل في التنسيق والمواكبة الراهنة أمر يقع على عاتقهم؟ هل الحضور الدائم لقوى اليسار القديم وبنفس اللغة الخشبية والأسلوب والشعارات الفلكلورية يستطيع أن يحدث فرقاً إيجابياً يصب في مصلحة الإنتفاضة؟ أسئلة كثيرة وكبيرة لا يمكن الاستمرار من دون الاجابة عليها من أهل الشأن. ويبقى السؤال الأخير الذي نختم فيه أسئلتنا: هل الإنتفاضة هي المسؤولة عن نحر ذاتها؟ أم هي التي ساهمت بتراجع قوة منطقها وحضورها حيث سمحت للمنظومة الحاكمة أن تلتقط أنفاسها وتسبقها خطوة إلى الأمام عندما عجزت عن حدوث انفجار تفككي في جماهيرها الملتحقة بها، أم شطحت قواها في الرهان على أن الوقت كفيل في جعلهم يتفككون كلما صمدنا أكثر في الشارع وقارعنا القوى الامنية الحامية للنظام وسلطته، فهل كان المطلوب من المنظومة إنتظار إنهيارها والتسليم وهي تملك ترسانة ضخمة من الجماهير التي تجعل الفرق لصالحها. لم يطل صبرها، فجاء ردها قاسياً وعنيفاً ومفرطاً طال كل ثائر تجرأ الوقوف في وجهها، ثم تفرغت لتفكيك بنيان الإنتفاضة مستفيدة من غياب الحاضنة الشعبية لها، ومن التخبط والعجز والأرتجال الذي بات واضحاً، ومن ثقل بعض الشعارات التي حملتها الإنتفاضة حيث ينقسم حولها البلد عامودياً مثل شعار: “نزع السلاح”؟
بعد تجربتي العام 2015 والعام 2019 وما بينهما من تحركات وإعتصامات وتظاهرات وغيره، على المعارضة بشكل عام واليسارية منها بشكل خاص، أن تقرأ تجربتها قولاً وممارسة، وأن تبتدع الأساليب الأكثر حداثة لإيصال الرأي والموقف، وأن تأخذ من التكنولوجيا والتطور والأعلام ممراً إلى عقول الجيل الجديد، والخروج النهائي من مقولة أن الممارسة النضالية التي أعتمدت في المراحل السابقة خلال مسيرتها النضالية الطويلة وقد أثمرت في صفوف الطلاب والعمال والموظفين بشكل واضح ومميز، هذا المنطق لا يمكن وضعه موضع التطبيق في كل المراحل. من هنا نحن بحاجة إلى كادر أكاديمي يُسهم في تقديم كل جديد، من خلال دورات تثقيفية تجعلنا نتواجد في صناعة الحدث، لا في المكان المترقب له، وعليه إن تحقق ذلك، فلا شك أنه سيلغي المسافات والفوارق، وسيترك أثراً إيجابياً عند الآخرين، ومن خلاله نكون قد شرّعنا باب الإنتساب أمام أي وافد جديد رأى في هذا السلوك والنهج النموذج الأكثر تعبيراً والذي يمزج ما بين القول والفعل نحو الأهداف المنشودة.
ويبقى قول الختام عن قوافل التنسيقيات المزدحمة داخل القاعات راهناً، هي مجموعات لا شك تريد وتسعى إلى إحداث تغيير ما، نحو بلد الديمقراطية والعدالة الانسانية، وكما بدا واضحاً أنها تريد لهذا التغيير أن يحصل كلٌ على طريقته ومنطقه الذي يعتقد أنه الأكثر صواباً بين الحاضرين، ولا يألوا جهداً في السعي الى انتزاع دفة القيادة التي يرى نفسه انه الاحق فيها، كما يشكك على الدوام في حجم وقدرات المشاركين تحت ذريعة انه الأكثر حجماً والاكثر قدرة على التأثير والحشود في الساحات، لقد خلص مسار الإنتفاضة الى تفريخ تنسيقيات ومجموعات وأفراد من الصعب تعدادها، كيف السبيل الى توحيدها؟ من أجل تأمين موقف سياسي واحد، ينتج برنامج إنقاذي إصلاحي ـ سياسي، نذهب جميعاً تحت رايته الى العمل والنضال والتحشيد والضغط، نذهب معه الى التغيير الديمقراطي السلمي المنشود دون رهان أو قلق، وحده البرنامج السياسي الذي يأخذنا الى الانقاذ الحقيقي، ولا يأخذ أصحابه إلى عملية إنصهار كامل يضعهم في قالب أو إطار واحد، ويقول بإسمهم كل شيء ومرة واحدة. إن مسألة التعددية مسألة بالغة الأهمية في القول والرأي، ويجب الحفاظ عليها والتمسك بها، يبقى الرأي رأياً وازناً، لا يترك أثراً فاعلاً إلاّ بمقدار إنتسابه الى المجموعة.
17 تشرين محطة وطنية يجب تجديدها.
لا قيامة للوطن.. إلاّ بثورة متجددة
لا يصنع الثورات.. الاّ أحرار الوطن.



