خبر عاجلمقالات

حيث ينتهي السلاح… تبدأ الدولة – زياد ضاهر

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

حيث ينتهي السلاح… تبدأ الدولة – زياد ضاهر

 

 

كتب د. زياد ضاهر

 

قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان تعزيز حضور الجيش اللبناني في الجنوب يُواجَه بمنطقٍ مختلفٍ تماماً عمّا نشهده اليوم. كان النظام السوري لا يزال لاعباً مؤثّراً في الإقليم، وله حلفاؤه وأتباعه ومن يأتمرون بأمره، مدّعين أن في ذلك مصلحة لبنان!

 

من 1993 إلى النبطية اليوم

 

عام 1993، وبعد عملية “تصفية الحساب” التي شنّتها إسرائيل على لبنان، ولا سيّما الجنوب، اتُّخذ قرارٌ بنشر الجيش اللبناني في الجنوب. كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئيساً للحكومة في عهد الرئيس إلياس الهراوي، وكان العماد إميل لحود قائداً للجيش. رفض لحود تنفيذ القرار، وتدخّل العامل السوري في منع تنفيذه، تحت عنوان أن انتشار الجيش قد يتحوّل إلى حمايةٍ لإسرائيل أو مواجهةٍ مع المقاومة.

 

بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو المفارقة لافتةً. انتهى الوجود العسكري السوري في لبنان، وسقط النظام السوري نفسه، فيما فقد حزب الله العمق الاستراتيجي الذي وفّرته له سوريا لعقود، وانكشفت جذوره الأصيلة المرتبطة بالنظام الإيراني. لكن الأهم أن النقاش حول الجيش في الجنوب بدأ يتغيّر من داخل البيئة التي كانت تُقدَّم تاريخياً بوصفها “بيئة المقاومة”.

 

فبعد التهديدات الإسرائيلية بتوسيع المعركة في تلة “علي الطاهر”، والمخاوف من امتداد التصعيد إلى مدينة النبطية، كثّف الجيش اللبناني حضوره ومهماته في المدينة. واللافت أن الخطوة جاءت بعد مناشداتٍ ونداءاتٍ من النبطية وخارجها، ولاقت ترحيباً محلياً وبلدياً ودينياً، ولم يصدر عن حزب الله اعتراضٌ رسميٌّ معلنٌ عليها.

 

والمفارقة أكبر حين يصبح وجود الجيش عاملاً لطمأنة السكان والحدّ من الذرائع الإسرائيلية، لا “حمايةً لإسرائيل” كما قيل في مراحل سابقة. فالمعادلة التي حكمت النقاش طويلاً تتغيّر: حضور الدولة في الجنوب لم يعد نقيضاً لحماية الأرض، بل يمكن أن يصبح شرطاً لها.

 

مساران لـ”المناطق التجريبية”

 

شرعت الدولة في تطبيق مفهوم “المناطق التجريبية”، لكن البداية كانت في مناطق شديدة التعقيد أمنياً وسياسياً، حيث الانتقال من واقع السلاح إلى سلطة الدولة الكاملة يواجه صعوباتٍ ميدانيةً حقيقيةً. تعثّر التجربة لا يبرّر وقفها، بل يستدعي الاستمرار فيها ودعمها.

 

ثمة مسارٌ موازٍ يمكن إطلاقه فوراً في المناطق التي لا تحتاج الدولة فيها إلى انتزاع سلطتها، لأن أهلها حسموا خيارهم أصلاً لمصلحة الشرعية.

 

في الجنوب قرى وبلدات بقي أهلها في أرضهم رغم العدوان ومخاطر الحرب. رفضوا النزوح وإخلاء الأرض للعدو الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه رفضوا تحويل قراهم إلى ساحاتٍ لنشاطٍ مسلّحٍ خارج الدولة. أي إنهم جمعوا بين موقفين حاول الخطاب السياسي طويلاً تصويرهما كمتناقضين: التمسّك بالأرض ورفض الاعتداءات الإسرائيلية من جهة، ورفض الحرب والسلاح خارج الدولة من جهة أخرى.

 

وبعد تجربتي “إسناد غزة” و”إسناد إيران” وما ترتّب عليهما من أثمانٍ هائلة، تصبح هذه الحالات أكثر أهميةً. فأهل هذه المناطق قاموا، عملياً، بجزءٍ مما كان يُفترض بالدولة أن تقوم به: حافظوا على الأرض، ورفضوا إخلاءها للعدو، وفي الوقت نفسه رفضوا استخدامها في حروبٍ لا قرار لهم فيها.

 

هنا يمكن لمفهوم “المناطق التجريبية” أن يتجاوز الإجراء الأمني ليصبح مشروعاً متكاملاً لتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية.

 

مرجعيون وحاصبيا والعرقوب: ابدأوا من حيث الدولة ممكنة

 

يمكن أن تكون مرجعيون وحاصبيا والعرقوب نموذجاً أول لهذا المسار. من شبعا وكفرشوبا وراشيا الفخار والهبارية وكفرحمام والفرديس والماري وحاصبيا، وصولاً إلى مرجعيون وغيرها من البلدات والقرى، هناك مجتمعاتٌ محليةٌ بقيت على أرضها وتمسّكت بالدولة ورفضت الحرب والنشاط المسلّح خارج الشرعية.

 

هنا لا تحتاج الدولة إلى انتظار تسويةٍ أمنيةٍ كي تبدأ. البيئة جاهزة، والمطلوب أن تلاقي الدولة مواطنيها.

 

والبداية أمنية، لكنها لا تنتهي عند الأمن: تعزيز انتشار الجيش ودورياته وحضوره الواضح، ثم تفعيل الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة، وترميم أضرار الحرب، وتأهيل الطرق والبنى التحتية، وتعزيز المراكز الصحية، ودعم المدارس الرسمية وصناديقها التي بات بعضها عاجزاً عن تأمين متطلبات الاستمرار.

 

وإلى جانب ذلك، لا بدّ من إطلاق برامج لدعم سبل العيش والمزارعين وأصحاب الحرف والمؤسسات الصغيرة، لأن تثبيت السكان في المناطق الحدودية ليس مسألةً أمنيةً فقط؛ إنه أيضاً مسألة عملٍ وتعليمٍ وصحةٍ وخدمات.

 

تكتسب التجربة معنىً يتجاوز مرجعيون وحاصبيا والعرقوب، فإذا نجحت الدولة في المناطق الجاهزة لها، تصبح هذه المناطق نموذجاً يمكن نقله تدريجياً إلى المناطق الأكثر تعقيداً. وبدلاً من انتظار اكتمال الحل على مساحة لبنان كلها، يبدأ بناء الدولة من المساحات التي أصبح ذلك ممكناً فيها.

 

المجتمع الدولي: لا تنتظروا آخر قطعة سلاح

 

ينطبق المنطق نفسه على المجتمع الدولي الذي ربط دعمه للبنان بالتقدّم في حصر السلاح بيد الدولة. فهل يُعقَل انتظار معالجة آخر قطعة سلاح خارج الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية قبل بدء الدعم؟

 

الأجدى أن تكون العملية تدريجيةً، كل منطقةٍ تتقدّم فيها سلطة الدولة وتتراجع منها مظاهر السلاح خارج الشرعية، يقابلها تقدّمٌ في الدعم والإعمار والتنمية.

 

وهذه ليست مكافأةً سياسيةً لمنطقةٍ أو جماعة، بل استثمارٌ في مشروع الدولة نفسه. فمن بقي في أرضه، ورفض الحرب واستخدام لبنان في حروب الآخرين، واختار مؤسسات الدولة، لا يجوز أن تكون نتيجة خياره الفقر والإهمال والعزلة، بل يجب إثبات العكس: أن خيار الدولة قابلٌ للحياة.

 

وعندما يرى اللبناني أن تراجع السلاح خارج الشرعية يقابله حضور الجيش والمؤسسات، وأن انتهاء منطق الحرب يفتح باب الإعمار والتعليم والعمل والتنمية، تصبح الدولة خياراً ملموساً في حياة الناس، لا شعاراً سياسياً مجرّداً.

 

تكمن هنا إحدى أهم وسائل تحصين المجتمعات الحدودية. فالفقر والإهمال وغياب المؤسسات تترك فراغاً يمكن ملؤه مجدداً بالسلاح وشبكات الخدمات والزبائنية. أما الدولة الحاضرة، ومعها تنميةٌ مستدامةٌ، فتغلق هذا الفراغ.

 

حيث ينتهي السلاح تبدأ الدولة

 

ما يحصل في النبطية يحمل دلالةً تتجاوز المدينة نفسها. فإذا أصبح تعزيز حضور الجيش موضع ترحيبٍ من داخل واحدةٍ من أبرز البيئات المرتبطة تاريخياً بالمقاومة، فإن السؤال لم يعد: هل يدخل الجيش إلى الجنوب؟ بل كيف تتحوّل عودة الجيش إلى عودة الدولة؟

 

حيث تتقدّم الدولة يجب أن يتراجع الفراغ، وحيث ينتهي السلاح خارجها يجب ألّا يحلّ مكانه الإهمال.

 

والرسالة يجب أن تصل إلى المواطنين كما إلى المجتمع الدولي، من اختار الدولة لا يجوز أن يُترك وحيداً، ومن رفض إخلاء أرضه للعدو ورفض، في الوقت نفسه، تحويلها إلى ساحة حرب، يجب أن يجد جيشه ودولته ومؤسساتها إلى جانبه.

 

هكذا فقط يصبح نموذج مرجعيون وحاصبيا والعرقوب أكثر من مشروعٍ محليٍّ؛ يصبح بدايةً لمعادلةٍ وطنيةٍ يمكن البناء عليها في كل لبنان، حيث ينتهي السلاح خارج الدولة، تبدأ الدولة؛ وحيث تبدأ الدولة، يبدأ الأمن والإعمار والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى