المنح الروسية: موسم حصاد مالي لصالح فئات محددة وأسلوب الفرز السياسي والمذهبي
المنح الروسية: موسم حصاد مالي لصالح فئات محددة وأسلوب الفرز السياسي والمذهبي

د. خالد العزي – مناشير
تتوالى المنح الروسية المقدمة للطلاب اللبنانيين من قبل الدولة الروسية عبر وزارة التعليم الاتحادية، إلا أن هذه المنح قد تحولت إلى موسم حصاد مالي ووسيلة لتحقيق مصالح سياسية ومذهبية محددة، لا سيما عبر لجان الفرز التي تم إنشاؤها لهذه الغاية. تتزايد الأسئلة حول كيفية اختيار المستفيدين من هذه المنح، سواء كان ذلك من خلال الوزارة مباشرة أو عبر جهاز جديد تم تشكيله من رجال الأمن والاستخبارات الروسية الذين يمارسون عملية الفرز وفقًا لتوجهات سياسية وأمنية مشبوهة. هذا التحليل يلقي الضوء على آلية الاختيار المعقدة والمتناقضة لهذه المنح، والتي تثير العديد من القضايا الأخلاقية والسياسية في لبنان.
من المسؤول عن عملية الفرز؟
من المثير للجدل أن من المسؤول عن تدقيق الطلبات واختيار المستفيدين من المنح الروسية ليست وزارة التعليم اللبنانية نفسها، بل غالبًا ما يتم ذلك عبر جهاز جديد شكلته الحكومة الروسية يضم مجموعة من رجال الأمن والاستخبارات. هؤلاء الأفراد يتخذون القرارات بناءً على توصيات سياسية ومذهبية معينة، وأحيانًا بمقابل مالي، حيث يتم تسهيل عملية قبول الطلبات عبر دفع المال أو الانتماء إلى أطراف معينة.
هذا الوضع يطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية إجراء الفرز والموافقة على الطلبات: هل يتم ذلك بناء على معايير أكاديمية وعلمية؟ أم أن الاعتبارات السياسية والمذهبية والأمنية هي التي تسيطر على اتخاذ القرار؟ في الحقيقة، الأجوبة على هذه الأسئلة لا تتسم بالوضوح، ما يزيد من غموض العملية ويجعلها مجالًا لاتهامات الفساد والمحسوبية.
التساؤلات حول شفافية النظام
في الأسبوع الماضي، انتهت اللجنة الخاصة بقبول الطلاب اللبنانيين في المنح الروسية من إعلان حصتها من المنح، لكن العملية شابتها العديد من التساؤلات. فقد كان الموقع الذي تم التقديم عليه مليئًا بالخلل، حيث كان يفتح ويغلق في أوقات غير معلنة أو يتعرض لأعطال منهجية تؤدي إلى تعطيل قبول بعض الطلبات. هذا الأمر أثار شكوكًا واسعة بشأن نزاهة عملية التقديم، حيث اعتقد الكثيرون أن عملية التقديم قد تكون قد تمت وفق حسابات معينة مسبقًا، بعيدًا عن القواعد العلمية.
وقد تم اختيار 170 طالبًا فقط لتقديم الامتحانات الشفوية، وتم ذلك عبر وسطاء من “محاكم التفتيش” في بيروت الذين يدعون أن موسكو هي من تقرر. لكن هذه الادعاءات مجرد ستار، حيث الحقيقة تكمن في أن موسكو لا تتحكم إلا ببعض النقاط المحددة التي تم الاتفاق عليها في المركز الروسي في لبنان، وكل شيء آخر يعود إلى تقارير استخباراتية عن الأفراد يتم رفعها من قبل لجان محلية تعمل وفق مصالح حزبية وأمنية.
الانتقائية في اختيار المستفيدين
الغريب في الأمر أن غالبية الطلاب الذين تقدموا للحصول على هذه المنح لم يكن لديهم نتائج دراسات بكالوريا مقبولة، ولكنهم كانوا يحملون أوراقًا جاهزة، تم التلاعب بها لتلبية معايير معينة. وبالرغم من أن هذه المنح تهدف إلى تمكين الشباب اللبناني من استكمال تعليمهم، إلا أن الواقع يثبت أن المنح ليست مفتوحة للجميع بشكل عادل، بل يتم منحها بناءً على الانتماءات الحزبية والطائفية، ويشمل ذلك تفضيل أشخاص من طوائف ومجموعات معينة.
في الحقيقة، إذا كانت هذه المنح تمنح وفقًا لانتماءات حزبية، فإن ذلك يعكس واقعًا مريرًا لا يحترم التعددية السياسية والثقافية في لبنان. وبالأساس، كان يُعتقد أن هذه المنح تأتي من أجل تعزيز العلاقة بين روسيا والدولة اللبنانية، إلا أن التطبيق الفعلي يُظهر أن الوضع في لبنان يخضع لتحكم قوى سياسية وأمنية معينة، ما يقلل من فرص النخب غير المرتبطة بهذه الأطراف.
التحالفات السياسية والمذهبية
الأمر الذي يثير القلق الأكبر هو مدى التداخل بين المنح الروسية والتحالفات السياسية في لبنان، لا سيما التحالفات بين الأطراف الشيعية والسنية وبعض القوى الموالية للنظام السوري. فروسيا، التي تلعب دورًا محوريًا في دعم النظام السوري، تجد نفسها في علاقة متشابكة مع القوى الطائفية التي تحكم لبنان. في هذه الأثناء، تستفيد بعض الأطراف التي تدعم روسيا من المنح بشكل حصري، في حين يتم إقصاء آخرين لأسباب سياسية بحتة.
ما يزيد من تعقيد الصورة هو التحالف الروسي الإيراني في سوريا، والذي يُعتقد أنه وراء جزء كبير من قرارات المنح الروسية في لبنان. هذه السياسة تعكس واقعًا سياسيًا يعزز من سطوة بعض القوى الإقليمية على الساحة اللبنانية، مما يضعف استقلالية لبنان ويزيد من تعقيداته الداخلية.
ختامًا: هل ستستمر روسيا في هذه السياسة؟
إن استمرار روسيا في تهميش القطاع الأكبر من المجتمع اللبناني السني في توزيع المنح الثقافية والتعليمية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على علاقاتها مع لبنان والمنطقة. إذا لم تتمكن روسيا من إعادة هيكلة طريقة تقديم المنح بشكل أكثر عدالة وشفافية، فإن هذا قد يؤثر سلبًا على سمعتها في العالم العربي. في الوقت نفسه، سيكون من الضروري على روسيا النظر في إصلاح استراتيجيتها في لبنان وإعطاء فرصة أكثر تساويًا للأفراد من جميع الأطياف اللبنانية.
بالنظر إلى هذا الوضع، هل ستواصل روسيا فرض هذا النموذج القائم على المحسوبية، أم أنها ستعدل من سياستها لتشمل الجميع وتفتح آفاقًا جديدة للشباب اللبناني دون النظر إلى انتماءاتهم السياسية والطائفية؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة في انتظار خطوة حاسمة قد تُعيد التوازن لعلاقات روسيا مع لبنان والشعوب العربية.



