الكتابة الصحفية بين المقابلة والتقرير: نموذج المقالة الإعلامية
الكتابة الصحفية بين المقابلة والتقرير: نموذج المقالة الإعلامية

كتب د. خالد العزي في مناشير
تُعد الكتابة الصحفية نوعًا فنيًا يدمج بين المقابلة والتقرير الصحفي، ليشكل في النهاية نصًا يُسمى “المقالة”. ورغم بساطتها الظاهرة، يعتمد هذا النوع من الكتابة على دمج آراء الضيوف مع الوقائع المستخلصة من التقارير الإخبارية والوكالات الإعلامية العربية والدولية. في هذا الأسلوب، لا يقتصر الصحفي على نقل كلمات الضيف كما هي، بل يقوم بإعادة صياغة ما قيل بشكل مختصر ومنظم، ليخرج في النهاية بمقال متكامل يقدمه للقارئ.
عادةً ما يتخذ الصحفي الذي يمارس هذا الأسلوب المقابلة مع الضيف كمصدر رئيسي للمادة. يبدأ بتفريغ المقابلة وتلخيصها، مع الحرص على استخدام وسائل الربط والتنسيق التي تجعل النص أكثر انسجامًا. غالبًا ما يستفيد الصحفي من الأفكار التي يطرحها الضيف، حيث يأخذ فكرة أو جزئية من كلام الضيف الأول وجزءًا من الثاني، ثم يدمج هذه الأفكار في النص ليبني من خلالها المقال. وهذا يساهم في جعل النص يبدو كأنه مقالة تحتوي على مقدمة وخاتمة، مع توظيف المعلومات المقدمة من الضيف لدعم الفكرة الرئيسية للمقال.
الأسلوب الصحفي في دمج الأفكار
يعتمد الكتاب الذين يستخدمون هذا الأسلوب الصحفي على التقاط بعض الأفكار من مقابلة الضيف الأول وجزء آخر من الضيف الثاني، ثم يتصرفون في الباقي بما يخدم النص. يقدمون المقدمة والخاتمة بناءً على ما استخلصوه من المعلومات المقدمة من الضيوف، مستخدمين وسائل الربط والترتيب لتوضيح الأفكار الأساسية. عملهم يتلخص في تفريغ المقابلة وتحريرها بشكل مختصر، مما يجعلها تبدو كأنها مقالة تحتوي على ثلاثة أفكار رئيسية تمثل آراء الضيف. وعادةً ما يُعتبر هذا النوع من العمل كتابة مقالة، رغم أنه لا يُعتبر في كثير من الأحيان “مداخلة” من الضيف تغني النص الذي يتم تحضيره للنشر.
التحديات التي يواجهها الصحفي في هذا النوع من الكتابة
في هذه الكتابة الصحفية اليومية، نجد أن هؤلاء الكتاب، الذين يتناولون قضايا دولية معقدة، قد يكونون بعيدين جدًا عن الموضوع الذي يكتبون عنه. ورغم ذلك، يسعون من خلال هذا الأسلوب إلى الظهور كخبراء في هذه القضايا، على الرغم من أنهم في بعض الأحيان لا يمتلكون التخصص العميق في الموضوعات التي يعرضونها. في بعض الحالات، ينسج الصحفي علاقة وثيقة مع الضيف ويطرح عليه أسئلة للاستفسار أو للتعمق في مضمون النص، مما يتيح له إثراء مقاله. ومع ذلك، قد يؤدي ذلك إلى إحراج الضيف إذا لم يقدم إجابات وافية، حيث يقتصر حديثه في كثير من الحالات على عرض وجهات نظره فقط دون الرد على الأسئلة المطلوبة للنشر.
اختلاف المقالة الصحفية عن المقالات التقليدية
في بعض الحالات، قد يُرسل النص إلى الضيف لمراجعته في حال كان لديه اعتراضات أو تساؤلات بشأن المحتوى. لكن بشكل عام، يظل هذا النوع من الكتابة، الذي يُوصف بالمقالة، بعيدًا عن المقالة الصحفية التقليدية، حيث لا يعكس رأيًا شخصيًا للكاتب بقدر ما يعكس آراء الضيوف. الصحفي في هذا النوع من الكتابة يطمح لأن يظهر نفسه ككاتب يقدم مادة صحفية تستند إلى آراء الضيوف، بدلاً من أن يكون مجرد “ناقل” للمعلومات.
وبذلك، تظل هذه الكتابة الصحفية نموذجًا شائعًا في قضايا السياسة الدولية المعقدة، حيث يبقى الصحفي في موضع المتلقي للمعلومات من الضيوف، بينما يتم تقديم المادة الصحفية على شكل تقرير مختصر أو “مقالة” تحمل آراء الضيوف أكثر من أن تكون رأيًا شخصيًا للصحفي نفسه.
ومن النادر أن يُعتبر الضيف مشاركًا في العمل ويُضاف كـ “مداخلة” تغني العمل المُعد للنشر. يظل النص في الغالب عبارة عن مقال يكتب باسم الصحفي، ويتناول مواضيع دولية عميقة، رغم أن الكاتب قد يكون بعيدًا عن الموضوع ولا يمتلك الخبرة الكافية فيه. وفي هذه الحالة، قد يؤدي الصحفي دورًا مزدوجًا، حيث يسعى لطرح أسئلة على الضيف للحصول على مزيد من التفصيل، ما قد يسبب إحراجًا للضيف إذا لم يرد بشكل وافي.
الفرق بين مقالات الرأي والمقالات التوثيقية
في المقابل، يظل الكتاب الذين يقدمون مقالات رأي يتمتعون بحرية التعبير عن وجهات نظرهم الشخصية، والتي تكون محورية في النص. هؤلاء الكتاب لا يعتمدون على آراء الضيوف فقط، بل يدمجونها مع أفكارهم الخاصة، مما يتيح لهم تقديم منظور شخصي يتفاعل مع القضايا المطروحة. وهذا يميزهم عن الكتاب الذين يقتصر عملهم على تلخيص مقاطع من المقابلات، مما يجعل عملهم في النهاية يشبه وظيفة نقل المعلومات أكثر من كونه مساهمة فكرية مستقلة.
في النهاية، يبرز الفرق بين هذين النوعين من الكتابة الصحفية في مفهوم “الوظيفة” التي يمارسها الكاتب. بينما يحرص من يكتب مقالات رأي على التعبير عن رؤية شخصية وفكر مستقل، يبقى الكتاب الذين “يلصقون” آراء الضيوف في مواقعهم كمتلقين للمعلومات أكثر من كونهم محركين للنقاشات الفكرية. من هنا، يُعتبر الكتاب الذين يكتبون مقالات رأي أصحاب فعل إبداعي وحضور شخصي في كتاباتهم، بينما يتبنى الكتاب الذين يعتمدون على المقابلات كوظيفة دورًا توثيقيًا أكثر من كونه إبداعيًا.



