الفلسطينيون في لبنان: سبعة عقود من الإقامة وحرمان مستمر من الحقوق

م. عامر القادري
منذ النكبة عام 1948، يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في لبنان، أجيال وُلدت وكبرت هنا، ولم تعرف أرضاً غير لبنان. ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من سبعة وسبعين عاماً، ما زال الفلسطيني يُعامل كـ”أجنبي محروم” من أبسط الحقوق: العمل، التملك، والعيش الكريم.
الحرمان من العمل والتملك
يُحرم الفلسطيني من عشرات المهن والنقابات بموجب القوانين اللبنانية، في تعارض صارخ مع **المادة 7 من الدستور اللبناني** التي تنص على المساواة بين جميع المقيمين أمام القانون، ومع **العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية** الذي يضمن حق العمل والسكن للجميع دون تمييز.
كما أن القانون رقم 296/2001 وضع قيوداً مشددة على تملك غير اللبنانيين، مستهدفاً بشكل مباشر الفلسطينيين، ما حرمهم حتى من امتلاك شقة صغيرة بعد عقود من العيش في لبنان.
المرأة اللبنانية وأسرتها
التمييز لا يطال الفلسطيني وحده، بل يمتد ليشمل المرأة اللبنانية نفسها. فاللبنانية المتزوجة من فلسطيني لا تستطيع منح جنسيتها لأولادها أو زوجها، ما يجعل أبناءها مكتومي الحقوق، ويضعهم في دائرة التهميش والحرمان. هذا الواقع يتناقض مع:
– **المادة 2 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، التي صادق عليها لبنان عام 1997.
– الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على المساواة وعدم التمييز.
– اتفاقية حقوق الطفل التي تضمن حق كل طفل في الجنسية والهوية.
إن حرمان أبناء اللبنانية من حقهم الطبيعي في الجنسية يخلق أجيالاً جديدة من المهمشين، ويؤدي إلى إضعاف النسيج الاجتماعي وزيادة الهشاشة الاقتصادية والسياسية.
العواقب الدولية
مخالفة لبنان لهذه الالتزامات لا تضر فقط بسمعته الدولية، بل تعرّضه للنقد المستمر من هيئات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وتضعه في خانة الدول التي لا تلتزم بتعهداتها الدولية. كما أن استمرار هذا التمييز يفتح الباب أمام تقديم شكاوى دولية ضد الدولة اللبنانية، ويعرقل أي محاولة لتصوير لبنان كبلد ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان.
المفارقة مع الدول العربية
في الوقت الذي تقدّم فيه دول الخليج فرص عمل كريمة للبنانيين وتفتح أبوابها أمامهم، يضيّق لبنان الخناق على الفلسطينيين، وكأن وجودهم عبء لا شريك في الحياة الوطنية. أما في الأردن، فقد مُنح الفلسطينيون منذ عقود حق التعليم والعمل، وفي سوريا قبل الحرب، عاشوا تقريباً كمواطنين متساوين في الحقوق المدنية، مع احتفاظهم بهويتهم الفلسطينية.
الخلاصة
القضية لم تعد مجرد تفصيل قانوني أو اجتماعي، بل باتت “وصمة إنسانية” تضع لبنان في مواجهة مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
إذا كان لبنان يفتخر بديمقراطيته وتعدديته، فعليه أن يبدأ من هنا: مساواة الفلسطيني بالحد الأدنى من الحقوق، ومنح المرأة اللبنانية الحق في نقل جنسيتها لأولادها وزوجها، التزاماً بالدستور والقانون الدولي. فبدون ذلك، يبقى شعار “الالتزام بحقوق الإنسان” مجرد كلام فارغ لا يترجم في الواقع.



