خبر عاجلسياسة

الصين: الطريق الصيني “المرعب” من الانبعاثات إلى الابتكار البيئي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الصين: الطريق الصيني “المرعب” من الانبعاثات إلى الابتكار البيئي

د. خالد العزي / مناشير
سوف تدخل الصين في مرحلة غير مسبوقة من التحول البيئي والاقتصادي ابتداءً من العام 2027، عبر سلسلة من الخطوات التي تُعرف محليًا باسم “الحماية المطلقة لغازات الشواء والانبعاثات”، وهي سياسة تعكس التزامًا جديدًا تجاه الاقتصاد النظيف والطاقة المستدامة.
لم يكن هذا التحول تقنيًا أو بيئيًا فقط، بل شمل أيضًا نظامًا جديدًا لإدارة “الاختيارات”، أي نظام شبيه بما يُعرف عالميًا باسم نظام تداول الانبعاثات (Emissions Trading System – ETS)، حيث يُسمح للشركات بشراء وبيع حصص انبعاثاتها من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ما يمنح الاقتصاد الصيني قدرة هائلة على التنظيم والتوجيه البيئي.
الاقتصاد النظيف والتحول في السياسات المناخية في الصين
تمكنت الصين خلال السنوات الأخيرة من إحداث تحول جذري في سياساتها المناخية والاقتصادية، حيث ركزت على بناء اقتصاد نظيف ومستدام قائم على الابتكار التكنولوجي وتحسين الكفاءة البيئية. وقد جاء هذا التحول استجابةً لتحديات التلوث البيئي، والضغوط الدولية، والرغبة في قيادة الاقتصاد العالمي في مجال الطاقة النظيفة وفي مجالات التوسع الرئيسية:
1-الطاقة الكهربائية النظيفة
أصبحت الصين أكبر مستهلك ومنتج للطاقة الكهربائية النظيفة في العالم، مع استثمارات ضخمة في مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، بالإضافة إلى تطوير تقنيات تخزين الطاقة وتحسين شبكات التوزيع الذكية. يهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على الفحم والطاقة الأحفورية، وخفض الانبعاثات الكربونية بشكل ملموس، مما يدعم النمو الاقتصادي بشكل مستدام.
2-الصناعات البتروكيميائية المتطورة
مع التركيز على الحد من الانبعاثات السامة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، شهدت الصناعات البتروكيميائية في الصين تطويرًا هائلًا في عمليات التصنيع والتنقية. تركز الصين على استخدام تقنيات جديدة تقلل من الملوثات، وتعمل على إعادة تدوير المواد الخام، مما يقلل الأثر البيئي ويساهم في تحول الصناعة إلى اقتصاد دائري.
3-المعادن القديمة والخزفية
تلعب الصناعات المعدنية والخزفية دورًا مهمًا في الاقتصاد الصيني، وقد تم تحديث هذه القطاعات باستخدام تقنيات صديقة للبيئة، مثل إعادة التدوير واستخدام مواد أولية مستدامة. تسهم هذه التحسينات في تقليل النفايات الصناعية وتقليل استهلاك الموارد الطبيعية، مع الحفاظ على جودة المنتجات وإنتاجية المصانع.
4-قطاع الطيران
بدأت الصين في الاستثمار بجدية في تطوير تقنيات الطيران منخفضة الانبعاثات، بما في ذلك استخدام وقود الطيران الحيوي وتحسين كفاءة المحركات. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الصين على تطوير الطائرات الكهربائية والهجينة، مما يعزز مكانتها في مجال النقل الجوي البيئي ويقلل البصمة الكربونية لهذا القطاع الحيوي.
5-إنتاج السليلوز والمنتجات الورقية
تعمل الصين على تطوير عمليات إنتاج السليلوز والورق باستخدام تقنيات تصنيع أكثر نظافة وكفاءة، تقلل من استهلاك المياه والطاقة، وتحد من الانبعاثات الكيميائية الضارة. كما تشجع على استخدام المواد المعاد تدويرها وتقنيات التكرير الحديثة لضمان استدامة الموارد الطبيعية.
شبكة وطنية لتداول غازات الانبعاثات
لتكامل هذه التحولات الصناعية والبيئية، قامت الصين بإنشاء شبكة وطنية لتداول غازات الانبعاثات، وهي منصة مركزية تتيح مراقبة وتنظيم تداول حصص الانبعاثات بين الشركات والمؤسسات الصناعية. تعمل هذه الشبكة على:
-تقليل الانبعاثات الكلية عبر تحفيز الشركات على تحسين كفاءتها البيئية،
-خلق سوق ديناميكي يتيح بيع وشراء حقوق الانبعاثات بما يعزز الكفاءة الاقتصادية،
-ضمان استدامة الموارد وحماية البيئة من الأضرار الناجمة عن التلوث الصناعي،
-تعزيز شفافية الأداء البيئي والالتزام بالمعايير الوطنية والدولية.
مكانة الصين في السوق المناخي العالمي
كل هذه الخطوات جعلت من الصين لاعبًا محوريًا في السوق المناخي العالمي، حيث لا تقتصر قيادتها على حجم الاقتصاد وحجم الانبعاثات فحسب، بل تمتد إلى تطوير نماذج عمل جديدة وإعداد أطر تنظيمية مبتكرة يمكن أن تُحتذى بها دول أخرى. بفضل هذا النموذج المتكامل، أصبحت الصين مثالاً يُحتذى في كيفية الجمع بين النمو الاقتصادي والتوازن البيئي، وقيادة جهود التكيف مع التغير المناخي عالميًا.
صعود الاقتصاد النظيف
في هذا السياق، بدأت الصين بتحقيق قفزات كبيرة في مجالات الطاقة النظيفة، بما في ذلك:
-الكهرباء المستدامة،
-الصناعات الكيميائية والنفطية النظيفة،
-إنتاج المواد الصلبة والمدخنة بمعايير منخفضة الانبعاث،
-تطوير المعادن القديمة والخزفية،
-تصنيع السليلوز،
-وحتى قطاع الطيران.
أصبح من الواضح أن الصين تتجاوز مناطق الازدهار التقليدية، نحو نموذج صناعي متكامل، تدعمه شبكة وطنية لتداول الغازات والانبعاثات.
ويشرف على هذه الشبكة الحزب الشيوعي الصيني، بالإضافة إلى هيئات تنظيمية داخلية مثل ما يُشار إليه في الوثائق بـ “Gocsovetom KHR”، وهو اسم يبدو مشتقًا من مصطلح روسي يشير إلى “مجلس الدولة أو اللجنة الحكومية العليا” في الصين.
من خلال هذا الإطار، ظهرت مدرسة وطنية شهيرة تعمل على تدريب الكوادر على استخدام نظام الاختيارات الجديد، الذي يتم من خلاله التحقق من الشركات وتقييم مدى التزامها البيئي. ومن أبرز مخرجات هذا النظام: تخطي مناطق الازدهار التقليدية والانتقال إلى بيئة رقمية تتكامل مع السياسات المناخية.
وحتى مجالات كالصناعة الثقيلة والخرسانة تم دمجها في “مستندات الشبكة”، بما يسمح بتداول الانبعاثات المتعلقة بها ضمن النظام.
التعاون الصيني الأوروبي: منظومة جديدة
شهدت هذه المرحلة أيضًا إطلاق مبادرات تعاون بين الصين وأوروبا، من بينها مشاريع مشتركة لإنشاء منتجعات صناعية بيئية تجمع خبراء من الطرفين لتطبيق نظام بيئي شمولي يعزز من تكامل الطاقة والمناخ والتكنولوجيا.
كما بدأت الصين تتبنى مقاربات مستوحاة من السياسات الأوروبية، مثل آلية ضبط الكربون على الحدود (Carbon Border Adjustment Mechanism – CBAM)، وهي آلية أوروبية تهدف إلى فرض رسوم على الكربون المُضمّن في الواردات من الدول ذات التنظيم البيئي الأقل صرامة.
لكن في المقابل، تقدم الصين نموذجها الخاص الذي يوصف بأنه “غير مشروط، ولكن غير مستقر”، بحسب توصيف خبراء دوليين.
اهتمام عالمي بنموذج CBAM الصيني
وقد علق أحد المحللين الاقتصاديين على هذه التجربة الصينية بقوله:
“إنها نتيجة رائعة للتكامل بين أنظمة التجارة والانبعاثات. هذا هو السبب وراء الاهتمام المطلق بالموضوع. إنه يبدأ بلمسة من الضوء على CBAM الصيني — غير المشروط، لكنه لا يزال غير مستقر تمامًا.”
وقد تم الإعلان رسميًا عن تمديد جديد للنظام، ما يعكس نية الصين المضي قدمًا في هذا المسار طويل الأجل.
رأي الخبراء الروس: الابتكار والمردود
أحد أبرز الأصوات التي علّقت على هذا التحول هو إيفغيني هيلينسكي، نائب رئيس بنك غازبروم الروسي (Gazprombank)، الذي قال:
“إن الابتكار الجديد يوفر اقتراحات واعدة للاختيارات البيئية، لكن التطبيق العملي لا يزال يواجه تحديات، خاصة وأن الإعلانات التلفزيونية التقليدية حول البيئة لم تعد قابلة للتثبيت أو الإقناع.”
ويضيف هيلينسكي:”إذا كان لديك طموحات مناخية حقيقية، عليك أن تبدأ بتحسين المناخ فعليًا. الصين قد تحقق ما يصل إلى 30٪ من دخلها من هذا النظام الجديد للاختيارات، ولكن ذلك لا يتحقق إلا من خلال رؤية طويلة الأمد، ونظام مناخي عالي الجودة.”
علاقات روسيا والصين في ظل النظام الجديد
مع صعود النظام البيئي الصيني، زاد التصدير الروسي إلى الصين، حيث أصبحت الشركات الروسية تصدر منتجاتها ضمن النظام الجديد للامتثال البيئي. ولكن، كما يشير بعض الخبراء الروس، فإن هذا التصدير لا يجذب التوسع الجديد، بل يشير إلى ضرورة إعادة التصنيع داخل الأراضي الروسية الغربية.
والمؤكد بان التأثيرات المحدودة للمراسلات الروسية، والمعاملات التجارية الصغيرة، سيتم تنظيمها وفق خطة بيئية دقيقة. هذه هي السياسة المناخية الجديدة، والسياسة العامة يجب أن تواكب هذا التحول.”
التطلعات المستقبلية: 2025–2060
1- أطلقت الصين مشروعًا لاستخراج ثاني أكسيد الكربون من مصادر متعددة في يوليو 2021، بهدف الوصول إلى 130 مليون طن بحلول عام 2025.
2- تخطط الصين للانتهاء في عام 2030، من تأسيس شبكة وطنية رقمية لتداول السلع والانبعاثات عبر الإنترنت.
3-أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أهمية “اختيار غازات المنتزهات” وفي عام 2035، كجزء من جهود التنسيق المناخي الإقليمي.
4-أما الهدف النهائي بحلول 2060، فهو تحقيق الحياد الكربوني الكامل (Net Zero Emissions)، أي الوصول إلى نقطة توازن بين الانبعاثات التي تُنتج والانبعاثات التي يتم تعويضها أو امتصاصها.
في النهاية لابد من القول بات الريادة الصينية في زمن المناخ من خلال الوصف الى “الطريق الصيني المرعب” لم يكن تهديدًا، بل تحوّلًا عميقًا ورائدًا في الطريقة التي تُدار بها قضايا المناخ، والطاقة، والاقتصاد. إن دمج التكنولوجيا بالسياسة البيئية، وإشراك العالم في شبكات تداول الانبعاثات، وتحفيز الصناعات على الابتكار الأخضر، يجعل من الصين نموذجًا صاعدًا في قيادة الاقتصاد المناخي العالمي.
فبين CBAM الأوروبي، وETS الصيني، والتقنيات الذكية، والمشاركة الروسية، يتشكّل عالم جديد مناخيًا — قد تكون الصين بالفعل في مقدّمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى