الصياد العراقي بين السيادة والحدود… حين تتحول لقمة العيش إلى رهينة الخرائط والسياسة

محمد المشهداني / مناشير
لم تعد قضية الصيادين العراقيين في شمال الخليج مجرد حوادث متفرقة أو خلافات ميدانية عابرة، بل تحولت إلى ملف سيادي وإنساني يختبر قدرة الدولة على حماية مواطنيها، ويضع العلاقات العراقية – الكويتية أمام تحدٍ يتطلب الحكمة والقانون أكثر من التصعيد.
وقبل أي نقاش، يبقى من الثابت أن أي إجراء بحق الصيادين العراقيين يجب أن يكون محكوماً بالقانون الدولي والاتفاقات النافذة، مع احترام حقوق الإنسان وضمان الإجراءات القانونية الواجبة. وفي المقابل، فإن حماية الصياد العراقي والدفاع عن حقوقه مسؤولية تقع أولاً على عاتق الدولة العراقية، عبر توفير الحماية والإسناد القانوني والدبلوماسي اللازمين.
البحر بالنسبة للعراق ليس مجرد مساحة مائية، بل نافذته البحرية الوحيدة على العالم، ومصدر رزق لآلاف العائلات في البصرة والمناطق الجنوبية. لذلك، فإن أي احتجاز لقارب أو مصادرة لمعدات الصيد أو توقيف للصيادين يترك آثاراً اقتصادية واجتماعية قاسية، تتجاوز الشخص المعني لتصيب أسرته وبيئته المحلية.
وقد شهدت السنوات الماضية تكراراً لحوادث احتجاز قوارب عراقية، مع اختلاف الروايات بشأن مواقعها. ففي حين تؤكد الجهات الكويتية أن الإجراءات تتم داخل مياهها الإقليمية، يرى العديد من الصيادين والمسؤولين العراقيين أن بعض الحوادث وقعت في مناطق يعدونها ضمن المياه العراقية أو في مناطق تشهد تعقيدات في تحديد المواقع البحرية.
وهنا تكمن جوهر المشكلة. فالبحر لا تحده الأسلاك الشائكة، وخطأ بسيط في الإحداثيات أو الأحوال الجوية أو تعطل أجهزة الملاحة قد يدفع قارباً إلى منطقة حدودية حساسة، ما يحول رحلة بحث عن الرزق إلى قضية أمنية ودبلوماسية.
إن استمرار تكرار هذه الحوادث يكشف الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية بين بغداد والكويت، تشمل التنسيق المباشر بين خفر السواحل، واستخدام أنظمة إنذار وملاحة حديثة، وتبادل المعلومات بصورة فورية، بما يمنع وقوع الصيادين في المخالفات غير المقصودة ويحافظ في الوقت نفسه على احترام الحدود البحرية المعترف بها.
كما أن الدولة العراقية مطالبة بتحديث أسطول الصيد، وتزويد القوارب بأجهزة تحديد المواقع الحديثة، وتكثيف برامج التوعية بالإحداثيات البحرية، إلى جانب التحرك السريع دبلوماسياً وقنصلياً عند وقوع أي حادثة تمس مواطنيها.
في المقابل، فإن العراق والكويت نجحا خلال السنوات الماضية في بناء علاقات أكثر استقراراً بعد عقود من التوتر، وهو ما يجعل من الضروري معالجة الملفات البحرية بروح التعاون والحوار، بعيداً عن الخطابات التي تؤدي إلى تأجيج المشاعر دون أن تقدم حلولاً عملية.
إن قضية الصيادين العراقيين ليست مجرد نزاع حدودي، بل اختبار لقدرة السياسة على حماية الإنسان، ولقدرة القانون على تحقيق العدالة، ولقدرة الدبلوماسية على منع تحول الخلافات البحرية إلى أزمات متكررة.
فبين حق العراق في الدفاع عن مواطنيه، وحق الكويت في تطبيق قوانينها داخل حدودها المعترف بها، تبقى المسؤولية المشتركة هي الوصول إلى حلول عملية تضمن أمن الملاحة، وتحمي أرزاق الصيادين، وتحافظ على علاقات حسن الجوار، لأن البحر يجب أن يكون مساحة للتعاون والتنمية، لا ساحة تتكرر فيها الأزمات.



