خبر عاجلسياسةمقالات

الدكتور سعيد عيسى: نحنا دائمًا على حق

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الدكتور سعيد عيسى: نحنا دائمًا على حق

 

 

 

كتب الدكتور سعيد عيسى:

 

تبدو عبارة نحنا دائمًا على حق للوهلة الأولى مجرد تعبير عن الثقة بالنفس أو الاعتزاز بالجماعة. لكنها، في العمق، تكشف عن بنية اجتماعية وثقافية كاملة، تجعل الانتماء معيارًا للحقيقة، وتحول الجماعة إلى مرجعية أخلاقية تسبق القانون والمبدأ والوقائع.

 

فالفعل لا يُحكم عليه دائمًا بما هو عليه، بل بمن قام به. والخطأ لا يُقاس بمعيار ثابت، بل بهوية الفاعل وموقعه وانتمائه. عندما يصدر الفعل عن «نحنا»، نجد له تفسيرًا وظرفًا ودافعًا مخففًا . أما عندما يصدر عن «هنّي»، فإنه يصبح دليلًا على طبيعة الجماعة كلها، وبرهانًا على فسادها أو تخلفها أو خطورتها.

 

نحن نخطئ كأفراد، وهم يخطئون كجماعات.

 

هذه الازدواجية لا تعني بالضرورة أن الناس يتعمدون الكذب أو الخداع في كل مرة. إنها آلية اجتماعية تحمي الجماعة من الاعتراف بالخطأ، وتحافظ على صورتها عن ذاتها بوصفها عادلة ومظلومة ونبيلة. فالاعتراف بأن جماعتنا قد تظلم أو تفسد أو تقصي الآخرين يهدد تماسكها الداخلي، ولذلك تنشأ شبكة واسعة من التبريرات التي تجعل الخطأ مقبولًا عندما يصدر عنا، ومدانًا عندما يصدر عن غيرنا.

 

الانتماء والحقيقة

 

في المجتمعات التي تتداخل فيها العائلة والطائفة والمنطقة والحزب والزعامة، لا يعيش الفرد بوصفه فردًا مستقلًا تمامًا، بل بوصفه عضوًا في جماعة تمنحه الحماية والهوية والشعور بالأمان. لكن الجماعة التي تؤمّن الحماية قد تصبح، في الوقت نفسه، مصدرًا لتعليق الحكم الأخلاقي الفردي.

 

عندما يرتكب شخص من جماعتنا فعلًا مرفوضًا، نقول إنه كان مضطرًا، أو إن الظروف دفعته، أو إن الجميع يفعلون الأمر نفسه، أو إن خطأه لا يُقارن بأخطاء الآخرين. أما إذا ارتكب شخص من الجماعة الأخرى الفعل ذاته، فنحن لا نبحث عن سياقه، بل عن دلالته. يصبح فعله تعبيرًا عن «طبيعتهم» وثقافتهم وأخلاقهم.

 

هكذا تُفردن الجماعة أخطاء أفرادها، بينما تُعمّم أخطاء الآخرين. خطأ ابن جماعتنا يبقى خطأ شخصيًا، وخطأ ابن الجماعة الأخرى يتحول إلى اتهام جماعي.

 

هذه الآلية حاضرة في السياسة والعائلة والجامعة ومكان العمل ووسائل التواصل الاجتماعي. قد نستنكر سلوكًا معينًا عندما يقوم به خصم سياسي، ثم نجد له عشرات المبررات عندما يقوم به حليف أو قريب أو شخص ينتمي إلى جماعتنا. وقد ندافع عن شخص لا نعرف عنه شيئًا سوى أنه «منّا»، بينما نحكم على آخر لمجرد أنه «منهم».

 

في هذه الحالة، لا تعود الحقيقة مستقلة عن الانتماء. تصبح الحقيقة هي ما ينسجم مع صورة الجماعة عن نفسها.

 

 

 

ديمقراطية مشروطة

 

تكشف علاقتنا بالديمقراطية جانبًا واضحًا من هذه الازدواجية. فنحن نعلن حبنا للديمقراطية، ونطالب بالانتخابات والتمثيل والمشاركة وحرية التعبير. لكن الديمقراطية كثيرًا ما تصبح عندنا قيمة مشروطة بالنتائج.

 

نحب الانتخابات عندما نفوز، ونشكك فيها عندما نخسر. نحتفي بإرادة الناس عندما تؤيد خياراتنا، ونصفها بالجهل أو التضليل عندما تختار خلاف ما نريد. نطالب بتداول السلطة حين يكون خصومنا في السلطة، ثم نبحث عن المبررات لبقائنا فيها عندما نصل إليها.

 

نقول إننا مع حرية التعبير، لكننا قد نعتبر كلام الآخر تحريضًا أو خيانة أو إساءة عندما يطال جماعتنا أو زعيمنا أو رمزًا نؤمن به. نطالب بالتعددية، لكننا لا نحتمل أحيانًا وجود صوت مختلف داخل جماعتنا نفسها. نرفع شعار حكم الأكثرية، ثم نطالب بحماية الأقلية عندما نكون نحن الأقلية، وننسى هذا المبدأ عندما نمتلك القوة.

 

في لبنان، تظهر هذه الديمقراطية المشروطة في الخطاب السياسي والاجتماعي على حد سواء. فكل جماعة تستدعي الدستور والقانون والشراكة عندما تشعر بأنها مهددة، لكنها قد تتعامل مع المؤسسات بوصفها عائقًا عندما لا تضمن لها النتيجة التي تريدها. عندها يصبح الاحتكام إلى المؤسسات خيارًا لا مبدأ، ونقبل بالديمقراطية ما دامت لا تمس مصالحنا الأساسية.

 

لكن الديمقراطية ليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة. إنها قبول مبدئي بأن الآخر يملك الحق نفسه في الوجود والاختلاف والمشاركة. أما استخدام الديمقراطية للوصول إلى السلطة ثم رفضها عندما تمنح الشرعية للآخرين، فليس إيمانًا بالديمقراطية، بل استخدام نفعي لها.

 

السؤال الحقيقي ليس: هل نحن ديمقراطيون؟ بل: هل نقبل بالديمقراطية عندما لا تخدمنا؟

 

فسادنا أيضًا

 

يكاد يكون رفض الفساد من أكثر المواقف التي تحظى بالإجماع. الجميع يندد بالرشوة وسرقة المال العام والمحسوبية واستغلال السلطة. لكن هذا الرفض العام قد يتعايش بسهولة مع ممارسات يومية تعيد إنتاج الفساد نفسه.

 

نستنكر الواسطة عندما يستخدمها الآخرون، ونعتبرها «خدمة» أو «مساعدة» عندما نحتاج إليها. نرفض المحسوبية في التوظيف، ثم نطلب من قريب أو صديق أو مسؤول أن يؤمّن لابننا فرصة لا يحصل عليها وفق معيار الكفاءة. نشتكي من تدخل السياسيين في الإدارات، ثم نلجأ إليهم لتسريع معاملة أو تأمين وظيفة أو الحصول على خدمة.

 

نحن لا نقول عادة: «أريد مخالفة القانون». نقول: «ساعدني»، «دبّرها»، «شوف لنا واسطة»، «ما بدها تمشي إلا بهالطريقة». هكذا تتحول المخالفة من انتهاك للمصلحة العامة إلى فعل تضامن اجتماعي، ويتحول الفساد إلى مجاملة، والمحسوبية إلى وفاء، والزبائنية إلى حماية.

 

قد تبدو الواسطة أقل قبحًا من الرشوة لأنها تمر عبر القرابة والصداقة والعلاقات الشخصية. لكن جوهرها يبقى واحدًا: حصول شخص على حق أو فرصة أو خدمة بسبب موقعه داخل شبكة اجتماعية، لا بسبب استحقاقه أو كفاءته أو احترامه للمعايير العامة.

 

الواسطة ليست مجرد فساد إداري، بل منظومة ثقافية تقوم على ضعف الثقة بالمؤسسة. عندما يعتقد الفرد أن القانون لا يطبق بالتساوي، وأن الوظيفة لا تُنال إلا بمعرفة، وأن الدولة لا تحميه، فإنه يعود إلى جماعته طلبًا للحماية. لكن الجماعة، في الوقت نفسه، تساهم في إضعاف المؤسسة التي يشكو منها الفرد.

 

نحتمي بالزعيم لأن الدولة ضعيفة، ثم نساهم في إضعاف الدولة عندما نطلب من الزعيم أن يحل محلها. نقبل بالزبائنية لأنها تؤمّن لنا منفعة مباشرة، ثم نشتكي من دولة الزبائنية عندما نحرم من هذه المنفعة. نستخدم الواسطة لأننا لا نثق بالنظام، ثم نلوم النظام لأنه لا يعمل.

 

هكذا يتحول المواطن إلى تابع، وتتحول الدولة إلى شبكة علاقات، ويصبح الحق العام أقل أهمية من القدرة على الوصول إلى الشخص المناسب.

 

قيم وممارسات

 

نمتلك خطابًا أخلاقيًا واضحًا: نؤمن بالعدالة والمساواة والنزاهة واحترام القانون وحقوق الإنسان والحريات. لكن هذه القيم تعمل غالبًا على مستوى الخطاب العام، بينما تحكم الممارسة اليومية منظومة أكثر مرونة، يمكن تسميتها بالأخلاق الخاصة.

 

في الأخلاق العامة نرفض الاستثناء، وفي الأخلاق الخاصة نبحث عن استثناء لنا ولمن نحب.

 

في الأخلاق العامة نطالب بالمساواة، وفي الأخلاق الخاصة نرى أن ابننا يستحق فرصة إضافية.

 

في الأخلاق العامة نرفض العنف، وفي الأخلاق الخاصة نبرر عنف جماعتنا بأنه دفاع أو مقاومة أو رد فعل.

 

في الأخلاق العامة نرفض التحريض، وفي الأخلاق الخاصة نعتبر تحريضنا غضبًا مشروعًا.

 

في الأخلاق العامة نرفض إلغاء الآخر، وفي الأخلاق الخاصة نرى أن الآخر لا يستحق المساحة أو الصوت أو التمثيل.

 

لا تكمن المشكلة فقط في وجود تناقض بين ما نقوله وما نفعله، بل في أننا ننتج تبريرات تجعل التناقض طبيعيًا. فعندما نُسأل عن أفعالنا، ننتقل بسرعة من مناقشة الفعل نفسه إلى الحديث عن أفعال الآخرين: «وماذا عنهم؟»، «هم فعلوا أكثر»، «لماذا تحاسبوننا وحدنا؟»، «نحن لم نبدأ»، «لو كانوا مكاننا لفعلوا الشيء نفسه».

 

قد تكون بعض هذه الاعتراضات صحيحة من حيث الوقائع، لكنها لا تجيب عن السؤال الأخلاقي. كون الآخر فاسدًا لا يجعل فسادنا مقبولًا، وكونه مارس العنف لا يمنحنا حق ممارسة العنف بلا حدود، وكونه خالف القانون لا يحول مخالفتنا إلى فضيلة.

 

المشكلة أن النقاش يتحول من سؤال «هل ما فعلناه صحيح؟» إلى سؤال «هل الآخر أسوأ منا؟». وهكذا تصبح الأخلاق منافسة في السوء، بدل أن تكون التزامًا بمبدأ ثابت.

 

حماية الازدواجية

 

تستمر هذه الازدواجية لأن الجماعة تحميها من خلال آليات اجتماعية وثقافية متكررة.

 

أولى هذه الآليات هي “الذاكرة الانتقائية”. نتذكر مظالمنا بدقة، وننسى مظالمنا تجاه الآخرين. نحتفظ بأرشيف طويل لما فعله «هنّي» بنا، بينما نختصر أو نبرر ما فعلناه بهم. وهكذا تتحول الذاكرة من وسيلة لفهم الماضي إلى أداة لإنتاج البراءة.

 

وثانيتها “لغة التلطيف”. فالسرقة تصبح شطارة، والواسطة خدمة، والزبائنية وفاء، والتعصب تمسكًا بالهوية، وإقصاء المختلف حماية للجماعة، والتهديد رسالة، وتجاوز القانون ضرورة.

 

وثالثتها “الخوف من النقد الداخلي”. ففي كثير من الجماعات، يُنظر إلى من ينتقد جماعته بصرامة أكبر من الشخص الذي يهاجمها من الخارج. فالناقد الداخلي يهدد الصورة التي تحاول الجماعة الحفاظ عليها، ولذلك قد يُتهم بالخيانة أو العمالة أو إضعاف الصف.

 

أما الآلية الرابعة فهي “تحويل النقاش من الأخلاق إلى الولاء”. بدل أن يُسأل الفرد: هل موقفك عادل؟ يُسأل: مع من أنت؟ وبمجرد تحديد موقعه، يصبح كل شيء قابلًا للتبرير. لا يعود الموقف صحيحًا لأنه عادل، بل لأنه يخدم الجماعة.

 

الاعتراف بالخطأ

 

لا يعني نقد الازدواجية إنكار المظالم التاريخية أو مساواة الضحية بالجلاد أو تجاهل الفوارق بين المسؤوليات. لكنه يعني أن المظلومية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة دائمة، وأن الهوية لا يجب أن تكون إعفاءً من المساءلة.

 

الاعتراف بأن جماعتنا قد تخطئ لا يعني التخلي عنها. ورفض ممارساتها الظالمة لا يعني كراهية أفرادها. بل إن النقد الداخلي قد يكون الشكل الأكثر صدقًا للانتماء، لأنه يرفض تحويل الجماعة إلى كيان معصوم لا يُسأل ولا يُحاسب.

 

تبدأ المواطنة حين نكف عن اعتبار القانون حقًا للآخرين وعبئًا علينا. وتبدأ الديمقراطية حين نقبل بنتائجها حتى عندما تخالف رغباتنا. وتبدأ مكافحة الفساد حين نرفض الواسطة التي تفيدنا، لا تلك التي يستفيد منها خصومنا فقط.

 

المعيار الأخلاقي الواحد لا يلغي الاختلاف، ولا يطلب من الناس التخلي عن انتماءاتهم. لكنه يمنع تحويل الانتماء إلى بطاقة إعفاء من المسؤولية. يمكننا أن نحب جماعتنا من دون أن نبرر كل ما تفعله، وأن ندافع عن حقوقها من دون أن ننكر حقوق الآخرين، وأن نحافظ على كاملة الذاكرة من دون تحويلها إلى سلاح دائم.

 

السؤال الصعب ليس: لماذا يبرر «هنّي» أخطاءهم؟

 

بل: كيف نبرر أخطاءنا نحن؟

 

وليس: لماذا لا يحترم الآخر الديمقراطية؟

 

بل: هل نقبل نحن بنتائجها عندما تخالف رغباتنا؟

 

وليس: لماذا يفسد المسؤولون؟

 

بل: ما الذي يجعلنا نطلب منهم خدمة خاصة ثم نشتكي من فسادهم؟

 

ربما تكون الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر عدلًا أن نتخلى عن العبارة التي تمنحنا راحة مؤقتة: «نحنا دائمًا على حق». فالجماعة التي لا تستطيع رؤية أخطائها لا تحمي نفسها، بل تحبس نفسها داخل صورة مغلقة عن ذاتها. والجماعة التي تعتبر نفسها معصومة لا تتعلم، ولا تتغير، ولا تستطيع بناء علاقة متوازنة مع المختلف.

 

أن نقول «نحنا أيضًا يمكن أن نخطئ» لا يعني فقدان الكرامة أو التنازل عن الحقوق. بل يعني الانتقال من الولاء الأعمى إلى المسؤولية، ومن التبرير إلى الوعي، ومن أخلاق الجماعة إلى أخلاق المواطنة.

 

فلا يصبح الحق حقًا لأنه حقنا، ولا يصبح الظلم ظلمًا فقط عندما يقع علينا. الحق الذي لا يشمل الآخر ليس حقًا كاملًا، والأخلاق التي لا تنطبق علينا ليست أخلاقًا، والديمقراطية التي نرفضها عندما تخالف مصالحنا ليست ديمقراطية، بل أداة مؤقتة في صراع الجماعات.

 

المجتمع العادل لا يُبنى على جماعة تدّعي امتلاك الحقيقة، بل على مواطنين يقبلون بأن الحقيقة أكبر من جماعتهم، وأن القانون يجب أن يحمي الجميع، وأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الخطأ لا يصبح صوابًا لمجرد أنه صدر عن «نحنا».

 

وحين نتمكن من تطبيق المعيار نفسه على أنفسنا وعلى الآخرين، نكون قد بدأنا فعلًا بالخروج من ثقافة التبرير، والانتقال من سؤال: «من معنا ومن ضدنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: “ما الذي هو عادل، وما الذي هو صائب، وما الذي يحفظ حق الجميع؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى