خبر عاجلسياسةمقالات

الحكومة المغيّبة: حَجَر نبيه برّي وبحصة سمير جعجع – أحمد جابر

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الحكومة المغيّبة: حَجَر نبيه برّي وبحصة سمير جعجع

 

أحمد جابر – مناشير

الحكومة المنتَظَرة، مغيّبة وغائبة. هي قيد الغيب، بفعل فاعلين، وهي قيد الغياب، بفعل مسؤولين لاهين، وغير مبالين، بشلل واهتراء البنية الوطنية.
تجتمع في حومة التغييب أطراف ثلاثة، واحد منها يلبس ثوب التعفّف والنقاء، وآخر يرفل بحلل الذكاء، وثالث يخفي التماعة مكره خلف قناع الخداع والرياء. لكل طرف من أولئك إسم ّيعرف به، ويتحلق جمعهم حول مسمّى حلفاء، لهم برنامج امتناع واحد، عن قيامة البلد، قيامة سويّة معافاة، ولهم خطط متفرقة، تمليها الضرورات الفئوية الخاصة، التي تبيح المحظورات الوطنية العامة، فتنشب بين هذا وذاك، معارك فرعية، لا تخلو من تمايز موضعي، لكنها تعود لتنتظم كلها، في سلك أداء واحد، الخاسر في طرفه النهائي، البلد الذي يسمى لبنان.
ولأن الأمر ليس أحجية، تفصح الصفات عن أسماء أصحابها، وتشير إليهم من خلال ما ينسبونه إلى ذواتهم، وما ينسبه الآخرون إليهم، وبخلاف ما يزعمونه لتنظيماتهم السياسية من صفات. وعليه، فالنقاء، والذكاء، والخداع، حقيقيا كان أم مدّعى، يحيل إلى حزب الله، ورئيس المجلس النيابي، والتيار الوطني الحر. أما مطابقة الإسم مع “الكَسْم”، فمتروكة للقارئ، وللسامع، وللكاتب، ولكل من هؤلاء حرية الاجتهاد، والاختيار.
في موازاة ما سبق، هناك طرف رابع، يشارك في تغييب الحكومة، يعتمد فرادة التذاكي حينا، ويتفرّد بالفذلكة السياسية، أحيانا، لكنه يلاقي حلف التغييب من مكان آخر، وفقاً لحسابات سياسية، وفردية مختلفة. يحمل هذا الطرف إسم القوات اللبنانية، وهو حاضر بقوة، في صوت رئيس الحزب، الدكتور سمير جعجع، الذي يعطي حزبه الكاريزما الشعبية، ويحرص على قيادته في حقل ألغام سياسية، لا ينجو الرئيس دائماً، من انفجار عدد منها.
في سياق ما تقدم ذكره، وعلى قاعدة تبادل الرسائل المشفّرة، أو الواضحة، المرسلة إلى العهد وتياره، نكتفي بعرض ما يمكن للرئيس برّي فعله، لو كان” حبّه” للإنقاذ الوطني صادقا، كذلك التطرق إلى ما هو مطلوب الإقدام عليه، من قبل الدكتور سمير جعجع، وقواته، لو كان حبهم “للكيان السرمدي” شفافا نقيا، لا يخالطه كَدَر الإحجام، وهاجس الأرباح الفئوية.

حَجَر”الرئيس”:

خلافا لموقع الدعم، لاستحضار الحكومة المغيّبة، وفي مخالفة لتقدير تسهيل استواء كرسي الرئاسة الثالثة على قوائمها الأربع، ينبغي تسليط الضوء مجددا، وبمفعول تذكيري رجعي، على حقيقة الموقف المانع الأول، الذي اتخذه الرئيس برّي، عندما اشترط حلول وزير، من مسميّاته، في موقع وزارة المالية. الشرط الأول، الذي جعله الرئيس حقاً من حقوقه، في المشاركة السيادية، كان العبوة التي انفجرت باكراً، وقبيل انطلاق حافلة الاستشارات من أجل تشكيل الحكومة المستقلة، غير الحزبية.
إذن، وتأسيساً على ذكرى الانفجار البدئي، تُقرأ كل المبادرات التي تنطلق من مقر الرئاسة الثانية، والتي ترِد لاحقا في بيانات حركة أمل، وعلى ألسنة النواب، في كتلتها البرلمانية… عليه، يصير القول اللاحق “إبناً” للقول السابق، ولذلك تحيط بما يبدر عن الجهة الرئاسية الثانية، ظنون المناورة، في معرض استجلاء مقاصد المبادرة، مثلما يحيط بما يُعزى إلى الرئيس” الذكي”، تعمّد سلوك مناوشة حليفه في “الثنائي” الشيعي، طلباً لتأكيد خصوصية، وإصراراً على منع تجاهل، أو ذهاب إلى مسلك تهميش، مقصود أو غير مقصود، داخل البيئة الشيعية، وفي سياق توليد الحكومة المنتظرة، وفي ميدان الاشتباك مع رئيس الجمهورية.
وما دامت” الخصوصية” هدفا ومرتجى، تظل “العمومية” الحكومية، وسيلة من وسائل اللعب، مع الآخرين، وفي مواجهتهم، في الوقت عينه. خلاصة القول، على هذا الصعيد، إن الرئيس نبيه برّي في يده العسْر، وقد كان، كما جرت الإشارة، تعسيراً بدئياً، أمّا ما يظهره الرئيس من يسْر، فما زالت وظيفته مقتصرة على نفْث ستارة دخان تيسيري، لمّا ينكشف حتى الآن، عن تيسير استدراكي، يتناغم مع العسْر البدئي، فيحوّره ولا يلغيه، ويعدّل من حضور تحكمه السلطوي، فيجمّله ولا يقصيه… واقع الحال هذا، وقراءته على معنى مخالف للقراءات السائدة، لمواقف ومبادرات الرئيس بري، لا تعفي من طرح سؤال: هل يستطيع رئيس المجلس النيابي، بصفتيه الرسمية والأهلية، اتخاذ موقف استدراكي، يقع موقع تسهيل تشكيل الحكومة؟ وما هي الخطوة الأولى الممكنة، إذا ما أراد “النبيه” فتح باب الممكن السياسي الآمن؟ وهل من حسابات تسقط عن فسحة الممكن حصانة الأمان؟.
نقطة الاستدراك، ودائما إذا أراد” النبيه”، هي ذات نقطة البدء التعسيري، إنما في وجهة معاكسة، قولاً وإعلاناً، وفي صيغة إطلاق يد رئيس الحكومة المكلف في موضوع اختيار الوزراء ووزاراتهم، على قاعدة الاختصاص والاستقلالية، ووفقاً لبرنامج الإصلاح المتضمن في المبادرة الفرنسية. إن من شأن هكذا إعلان، سحب بساط مقولة “المعيار الواحد” من يد رئيس الجمهورية، ومن يد تياره أيضاً، ومن شأن ذات الإعلان إعادة وضع التشاور بين الرئيس عون والرئيس الحريري، على جادة سكته الدستورية.
هل تقع هذه الخطوة في مدى الممكن لدى الرئيس بري؟ ربطاً بالإرادة الرئاسية، يستطيع أن يفعل ذلك. القدرة في هذا المجال، ترتبط ارتباطاً مباشراً بالحسابات. في طليعة كل حساب سياسي، مسألة علاقة حركة أمل وحزب الله، واحتمال النتائج المترتبة على كل خطوة تأتي من خارج توازنات الستاتيكو الشيعي التقليدية. قراءة عناصر قوة الرئيس نبيه، من خارج بيتها، تميل إلى القول بأن الظرف السياسي الحالي يسمح بحركة من قبيل ما هو متخيّل، شيعياً، ذلك أن حزب الله يحتاج غطاء حركة أمل، داخل بيئته، وفي المدى الداخلي، وفي خارج لبنان، ولدى محافل دولية عديدة، لذلك يصير مرجّحا ميل حزب الله إلى مراعاة حاجات حليفه، الخاصة والعامة، في امتداد سلوك الرعاية التي يمنحها لحليفه، رئيس الجمهورية. استطراداً، لا تستبعد فرضية الإستفادة المشتركة، من كل سلوك يسهل الخروج من المأزق المصيري الحالي، هذا يعني أنه في حال أصاب نبيه بري نجاحا خاصا، فإن النجاح ذاته، سيضاف إلى حساب الشيعية عموماً، التي تعيد تقديم كتلتها، ومن خلال “الجوهر الصدري” الذي كان لحركة المحرومين، ككتلة توازن واعتدال واستقرار…في سيرة الصيغة اللبنانية.
ما سبق، يجيب عن سؤال حصانة المبادرة، لو أراد صاحبها تنكّب مسؤوليتها، فالحصانة يتكفل بها وسط شيعي واسع، ووسط لبناني واسع أيضا، ووسط خارجي يبدي حرصه المستمر على استعادة الاستقرار العام، الذي يغادر ميادين الحياة اللبنانية. الحرص العام المشترك، بين خارج وداخل، يشكل درع وقاية للمبادر، وعامل كبح ولجمْ لما قد يجول في خاطر بعض الفئات الأهلية، سواء في أرجاء المنزل الواحد، أو في أرجاء المنازل اللبنانية المتجاورة.

بحْصَة سمير جعجع:

بالقياس إلى وضع الرئيس بري، وإلى جسامة المسؤولية والتدقيق في الحسابات السياسية، يبدو الدكتور سمير جعجع أقل قيودا، وأوسع حرية. حسابات “الحكيم” داخلية أكثر منها خارجية، ذلك أن جردة الممكن وغير الممكن تُقدّم متجسدة في أهداف ملموسة، وموزعة على روزنامة معروفة، وسياقها، أي الجردة، هو سياق اليوميات اللبنانية. بناءً على ذلك، يتمتع رئيس القوات اللبنانية، بداخلية أعمق وأشمل، والخارجي عنده، هو ما يتصل مباشرة بالداخلي الذي يظل أولية البرنامج السياسي العام. على هذا الصعيد، يتمايز موقع” الحكيم” عن موقع “النبيه”، الذي يُظهر برّانية أكثر، كلما تعلق الأمر بالخارج العربي، أو بالخارج الإقليمي.
لكن، ولأسبابه الخاصة انسحب “الدكتور” الداخلي، من مسؤوليته الداخلية، وابتعد عن المشاركة في الحكومة الإنقاذية، التي لا تخصّ الرئيس سعد الحريري وطيفه الأهلي حصراً، بل تمسّ مسّا حقيقيا بتوازن الاستقرار العام، هذا الذي هزّه أداء العهد، وطموحات تياره، مدعوماً من حليفه، حزب الله، ومستفيدا من إمساكه بورقة “الحقوق المسيحية”، بعد أن تخلّت عنها القوات اللبنانية، وذهبت إلى رفع شعار الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، كمدخل للتخلص من العهد الحالي، وكجسر عبور إلى إعادة تكوين السلطة، على أسس وتوازنات سياسية مختلفة.
في هذا المجال، يملك رئيس حزب القوات بحصة يقدر على رميها في بركة الحصرية المسيحية التي يلوّح بها رئيس الجمهورية، والتيار الوطني الحر. إن إعلان القبول بالمشاركة في الحكومة الجديدة، يساهم تلقائيا في نزع مسألة الثلث المعطل، هذا الذي يقاربه أصحاب “الثلث” مداورة، من خلال تسمية الوزراء المسيحيين، ومن خلال حصة الرئيس، ومن خلال توزيعة الحقائب السيادية والخدماتية.
إعلانان قد يُقدّر لهما تغيير شروط مقاربة التأليف الحكومي، الذي هو بوابة لبنان إلى محيطه العربي، وإلى مداه الدولي، ورجلان تتوفر لهما فرصة لعب دور إنقاذي عام، هذا إن أرادا تجاوز ما لديهما من خاصٍ خاص، إلى ما هو أعمّ وأشمل.
على الهامش وربما في متن الموضوع، هل من تقاطع سياسي، من بعيد، بين نبيه بري وسمير جعجع؟ ربما كان التقاطع موجودا، وربما كان الهدف المشترك بين الإثنين، إضعاف الكتلة الأهلية السنية، من خلال “جرجرة” رمزها الأول اليوم، أي سعد الحريري، بما يحمل من رمزية حالية، وبما يستند إليه من رمزية موروثة. وقد لا يكون موضع اختلاف الإقرار بأن السنية، بما هي امتداد للأكثرية العربية، ما زالت تتعرض لاستهداف يتوالى فصولاً، منذ الفصل الأخطر الذي شهد اغتيال صعود رفيق الحريري، وحتى فصل التقهقر الراهن، الذي تتخبط فيه “الحريرية السياسية”. هل يخالط هكذا احتمال خيال “الأقليات” اللبنانية؟ لا جواب قاطع في هذا المجال، لكن قياس الحاضر على الماضي يفيد بأن تاريخ النزاعات الأهلية اللبنانية، اختزن دائما، طموح الانقلاب على التوازنات الطائفية البينية، هذا مما يقوله الماضي، وهذا مما يقوله الحاضر الذي يعيش وسط دوامة من النزاعات التغلّبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى