خبر عاجلسياسة

الحضور اللبناني في عيد السعودية يكشف تبدّل المواقف: من الخصومة إلى الولاء

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الحضور اللبناني في عيد السعودية يكشف تبدّل المواقف: من الخصومة إلى الولاء

المحلل السياسي د. خالد العزي
لم يكن الاحتفال بالعيد الوطني السعودي الـ95، الذي أُقيم في بيروت هذا العام، مجرد مناسبة دبلوماسية أو بروتوكولية عابرة. فصور الحاضرين، والوجوه اللبنانية التي شاركت بكثافة، شكّلت بحد ذاتها حدثًا يستحق التوقف عنده. كثيرون ممن تواجدوا في الصفوف الأمامية كانوا، إلى وقت قريب، من أشدّ المنتقدين للمملكة العربية السعودية، بل من المتحالفين مع محاور سياسية تعاديها علنًا.
هذا الحضور اللافت يعكس تحوّلًا في المزاج السياسي اللبناني، ويكشف عن محاولات إعادة تموضع تجري بصمت داخل الصالونات السياسية، مع الاعتراف الضمني بأن العصر اليوم هو عصر السعودية، التي لم تغيّر ثوابتها، بل فرضت احترامها عبر مشروعها العربي، القائم على الدولة لا الميليشيات، وعلى الشراكة لا التبعية.
أولًا: وجوه مألوفة… ومواقف متبدّلة
أثناء الاطلاع على صور الحشد اللبناني المدعوّ إلى الاحتفال، يُفاجأ المتابع بكثرة الشخصيات المعروفة التي كانت، في مرحلة سابقة، من خصوم المملكة أو منتقديها، علنًا أو ضمنيًا.
هؤلاء الذين وصفهم الشارع اللبناني بـ”الموكوعين في الزمن السعودي”، كانوا ممن حاولوا النيل من السعودية في مراحل مختلفة، وتحالفوا ضدها إعلاميًا وسياسيًا، ووقفوا في محاور تتناقض تمامًا مع الرؤية الخليجية والعربية.
ثانيًا: حين كان الثمن غاليًا
في المقابل، تبرز قلة نادرة من الحاضرين الذين يمكن اعتبارهم من أوائل المؤيدين للسياسة السعودية في لبنان. جاهروا بمواقفهم في زمن الوجود الأمني السوري، وتحت وطأة النفوذ الإيراني، وفي ظل سطوة “حزب الله” على الدولة. لم يكتفوا بالتصريح، بل حملوا مواقفهم في الإعلام، في الحوارات، وفي ساحات المواجهة السياسية.
أما بقية الحضور، فقد كانوا بالأمس القريب حلفاء للنظام السوري، أو ممّن مدحوا النظام الإيراني، وتبنّوا خطاب “الممانعة”. بعضهم انخرط في مشاريع مثل “حلف الأقليات”، الذي استهدف المكوّن السني بشكل مباشر، وعمل على إقصاء لبنان عن حضنه العربي، خصوصًا عن المملكة.
ثالثًا: السعودية… دعم ثابت للدولة لا للأحزاب
مرة جديدة، تؤكد المملكة العربية السعودية، من خلال هذا الاحتفال، الذي يُقام هذا العام تحت شعار “عزّنا بطبعنا”، أنها تتعامل مع الدول لا الأحزاب، ومع المؤسسات لا مع العصبيات الطائفية أو الولاءات الإقليمية.
فالسعودية لم تُنشئ ميليشيات في لبنان، ولم تموّل أحزابًا، بل دعمت لبنان كدولة ذات سيادة. حتى في زمن الحملات الممنهجة ضدها، ظلت المملكة تبادر إلى الترميم، وإلى تضميد جراح المغامرات الفاشلة والعدوان الإسرائيلي، دون أن تطلب مقابلًا سياسيًا أو طائفيًا.
رابعًا: أوراق اعتماد متأخرة… للعصر السعودي
وجود تلك الشخصيات في الحفل لا يُمكن فصله عن السياق الإقليمي الجديد. إنه اعتراف متأخر بـ”العصر السعودي”، ومحاولة مكشوفة لإعادة التموضع وتقديم أوراق اعتماد سياسية جديدة.
فالمملكة اليوم باتت حجر الزاوية في مشروع عربي متجدد، عماده السيادة والنهضة، وشريكًا أساسيًا للغرب في أمن المنطقة واستقرارها.
البعض يرى في العلاقة مع السعودية بابًا لحماية سياسية، والبعض الآخر وسيلة لإعادة التمويل في ظل الانهيار الاقتصادي، خاصة مع قرب مرحلة إعادة إعمار لبنان والمنطقة.
خامسًا: الثبات على الموقف شرف لا يقدّره الجميع
رغم موجة التحولات، لا تزال هناك فئة صغيرة من اللبنانيين ثابتة على مواقفها الداعمة للمملكة، لا طمعًا في نفوذ أو مال، بل إيمانًا بأن المشروع العربي بقيادة السعودية هو الضمانة الحقيقية للبنان والمنطقة.
هؤلاء لم يبدّلوا خطابهم، ولم يتاجروا بمواقفهم، بل سعوا لإعادة لبنان إلى الخريطة العربية دون مقايضات.
السعودية ومشروع الدولة العربية
الاحتفال السعودي في بيروت، كما في مناطق الاغتراب، ليس مجرد مناسبة وطنية. إنه تأكيد على نهج سياسي متماسك، يقوم على بناء مشروع عربي بديل، يعيد الاستقرار إلى المنطقة، عبر التنمية، والانفتاح، والسلام الفعّال.
وفي زمن تتساقط فيه الشعارات القومية والدكاكين الإسلامية التي تاجرت بفلسطين وغيرها، تظهر السعودية كقوة عربية حديثة، قادرة على صياغة مشروع مستقبلي واقعي وعقلاني.
ليس من قبيل الصدفة أن يكون الاعتراف الدولي بفلسطين في 22 أيلول، قبل يوم من العيد الوطني، أحد ثمار هذا النهج السعودي الجديد، الذي يُدير الصراع من بوابة الدبلوماسية والسلام، لا من منابر الانفعال والشتائم.
إنه عصر السعودية، بكل وضوح. ومن لم يفهم ذلك بعد، فليُعد النظر في موقعه قبل أن تفوته الفرصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى