
خاص مناشير
لم يكن قرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع إضاءة صخرة الروشة في الذكرى الأولى لاستشهاد السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين مجرّد موقف إداري. كان قرارًا سياسيًا بامتياز، هدفه واضح: محاولة استعادة نبض الشارع السنّي، وإعادة بناء موقع قيادي في فراغ خلفه غياب “تيار المستقبل” واعتكاف الرئيس سعد الحريري.
لكن سلام، على ما يبدو، بالغ في تقدير مدى قدرته على ملء هذا الفراغ. إذ لم يواكب قراره لا شارع غاضب يملأ الساحات، ولا دعم سياسي داخلي صلب يحميه من تداعيات التصعيد. حتى الإعلام لم يجد في الخطوة مادة كافية لبناء “هالة الزعامة” التي طمح إليها البعض.
الواقع أن الرجل بدا وكأنه يخوض معركة رمزية دون أن يمتلك أدوات الحسم الواقعي. ففي بلد تتشابك فيه الاعتبارات الطائفية والسياسية والأمنية، لا يكفي اتخاذ موقف مبدئي ما لم يُرفق بخطة لاحتواء تداعياته أو على الأقل لحمايته سياسيًا وشعبيًا.
المفارقة اللافتة كانت في ردّ “حزب الله”، الذي لم يذهب إلى التصعيد، بل رفع صورة رمزية جمعت الأمين العام السيد حسن نصرالله، والشهيد رفيق الحريري، والرئيس سعد الحريري. خطوة فُهمت على أنها إشارة تهدئة ورسالة مزدوجة: من جهة، اعتراف ضمني بأهمية الاعتدال الذي مثلته “الحريرية السياسية”، ومن جهة أخرى، إحراج لمن راهن على تأجيج الشارع السنّي عبر صدام شعارات.
سلام لم يتوقع هذا الردّ. بل تشير المعلومات إلى أن مقربين منه طرحوا عليه حلاً وسطًا: السماح بإضاءة الصورة ليوم واحد فقط، ومن ثم طيّ الملف دون استفزاز إضافي. لكنه فضّل المواجهة، دون أن يدرك أن التوقيت والظروف لا تتيح له الخروج منتصرًا.
في السياسة، ليست الرمزية كافية. والمواقف، مهما كانت مبدئية، تصبح عبئًا إن لم تكن مدروسة. نواف سلام أخطأ الحساب، لا لأنه اتخذ موقفًا، بل لأنه خاض معركة بلا عدة… وخرج منها بلا جمهور.



