سياسةمقالات

الأزمة الإيرانية: بين التصعيد الأميركي ومقاربة الصين بلا اصطفاف – وائل ياسين

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الأزمة الإيرانية: بين التصعيد الأميركي ومقاربة الصين بلا اصطفاف – وائل ياسين

 

وائل خليل ياسين
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية

ليس مستغربًا أن يثير الحضور الصيني المتنامي في الشرق الأوسط هذا الكمّ من الجدل، ولا أن تتكاثر القراءات التي تحاول تفسير الاتفاق الصيني–الإيراني خارج سياقه الحقيقي. فكل تحوّل في موازين القوى الدولية يُواجَه، تقليديًا، بمحاولات تشويه وتحريض، خصوصًا عندما يهدّد منظومات نفوذ راسخة اعتادت إدارة المنطقة عبر الأزمات لا الحلول.
فالشرق الأوسط، الغارق في صراعاته المفتوحة، يشكّل ساحة مثالية لتوظيف الهواجس العربية والإسلامية من السياسات الإيرانية، وتغذيتها ضمن سرديات تُستخدم سياسيًا وأمنيًا. وفي هذا المناخ، تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إعادة إنتاج منطق «الفوضى الخلّاقة»، مستفيدة من الانقسامات القائمة لتكريس نفوذها، ومنع أي مقاربة بديلة لإدارة الصراعات أو تسويتها.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الشائعات التي تُروَّج حول تزويد الصين لإيران بمنظومات عسكرية متطوّرة عن هذا السياق التحريضي. فمثل هذه الروايات لا تهدف إلى توصيف واقع قائم، بقدر ما تسعى إلى بناء سردية مُسبقة تُستخدم لاحقًا، سواء لتبرير أي مواجهة عسكرية محتملة، أو للنيل من صورة الصين وقدراتها، وإظهارها طرفًا منخرطًا في صراعات المنطقة، وهو ما يتناقض مع سلوكها الفعلي.
على النقيض من ذلك، تقدّم بكين نموذجًا مختلفًا في تعاملها مع الشرق الأوسط، يقوم على مبدأ واضح: الشراكة من دون اصطفاف. فهي لا تبني تحالفات عسكرية، ولا تنخرط في محاور متصارعة، ولا تتعامل بمنطق الإملاءات أو العقوبات. بل تركّز على المصالح الاقتصادية، ومشاريع البنى التحتية، والتكامل التجاري، باعتبارها مدخلًا للاستقرار لا نتيجة له.
ويشكّل التعاون الصيني–الإيراني إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل، إلا أنّ هذا الجدل يتجاهل حقيقة جوهرية، وهي أنّ الصين تتعامل مع الدول ومؤسساتها الشرعية، لا مع الفاعلين غير الدولتيين. ومن هذا المنطلق، فإن علاقتها بإيران لا تعني تبنّي سياساتها الإقليمية، ولا الانخراط في حساباتها العسكرية، بل تندرج ضمن مقاربة براغماتية تحكمها اعتبارات الطاقة والتجارة والاستقرار.
وفي خطابها السياسي، تحرص الصين على التأكيد دعمها لحقوق الشعوب، وفي مقدّمها القضية الفلسطينية، من دون أن تنزلق إلى منطق التدخّل أو الاستثمار في النزاعات. كما تطرح مفهوم «الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام» كبديل عن نماذج الأمن القائمة على الردع والتحالفات، وهي نماذج أثبتت فشلها في تحقيق الاستقرار في المنطقة.
إنّ الجدل الدائر اليوم حول الدور الصيني لا ينفصل عن الصراع الأوسع على شكل النظام الدولي المقبل. فالمسألة لا تتعلّق باتفاق معيّن أو شراكة بعينها، بل بمحاولة منع نشوء توازنات جديدة تُنهي احتكار القرار الدولي، وتفتح المجال أمام مقاربات أقلّ صدامية وأكثر عقلانية. إنّ العالم اليوم يقف أمام صراعٍ حادّ بين استراتيجيتين متناقضتين:
الأولى، استراتيجية السعي إلى إحلال السلام والاستقرار، بما يوفّر أرضية خصبة للتنمية والتعاون وبناء مجتمع إنساني أفضل ومشترك للبشرية جمعاء. وهي الاستراتيجية التي تتبنّاها الصين، إلى جانب عدد متزايد من الدول، ولا سيّما العربية منها.
أمّا الاستراتيجية الثانية، فتقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وتقوم على تكريس الأحادية الأميركية وإحياء المفهوم الاستعماري بأدوات معاصرة، عبر سياسات الاحتواء والهيمنة وبسط النفوذ. وتعتمد هذه الاستراتيجية على إذكاء الفتن وإشعال النزاعات العرقية والدينية وشنّ الحروب، بما يؤدّي إلى تدمير الدول ومنع تنميتها، وإخضاع الشعوب لفرض السيطرة ونهب ثرواتها.
وعلى دول الشرق الاوسط وفي مقدمتها دول الخليج العربي ومصر ان تقود مسارا جديدا يعتمد على عدم الانحياز لكي تكون بذلك جدارا فاصلا يمنع الانزلاق الى اتون حرب عالمية ثالثة وتفرض معادلات جديدة على الواقع الدولي تقوم على مبدأ التعددية وعالم متعدد الأقطاب .
المطلوب اليوم توجيه رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة مفادها أنّ العالم لم يعد ذاك الذي كانت فيه القوى “الإمبريالية” قادرة على استعراض قوّتها وتقرير مصير الشعوب كما تشاء. فموازين القوى تشهد تحوّلًا بنيويًا، والإرادة الدولية تتّجه نحو نظام عالمي أكثر توازنًا وتعدّدية، يقوم على احترام السيادة الوطنية، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، والتنمية بعيدًا عن منطق الهيمنة والإخضاع.
وعليه، فإنّ مقاربة الدور الصيني بعين التهويل أو الاصطفاف لا تخدم فهم الواقع، بقدر ما تعيد إنتاج الانقسامات نفسها. أما الحاجة الفعلية اليوم، فهي إلى قراءة هادئة ومسؤولة، تميّز بين الشراكة الاقتصادية والانخراط السياسي والاصطفاف الاستراتيجي، وتدرك أنّ استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر استدامة الصراعات، بل عبر كسر احتكارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى