اقفال قنصلية فخرية في كندا بحسابات طائفية كيدية من دون مبرر قانوني ؟ – علاء الشمالي

كتب علاء الشمالي
ليس أخطر على الدولة من أن يشعر مواطنوها، في الداخل أو الاغتراب، بأن قراراتها تُتخذ بلا معايير واضحة ولا مبررات معلنة. فحين تُغلق قنصلية كانت تؤمن الخدمات لعشرات آلاف اللبنانيين، يصبح الصمت الرسمي جزءاً من الأزمة، لا مجرد تفصيل إداري.
في ادمنتون وألبرتا الكنديتين، حيث يقيم أكثر من 135 ألف لبناني، لا يزال سؤال بسيط ينتظر جواباً بسيطاً: لماذا أُغلقت القنصلية الفخرية؟ وإذا كانت هناك أسباب قانونية أو إدارية، فلماذا لم تُعرض بشفافية أمام الرأي العام؟ أما إذا لم توجد مبررات كافية، فمن يتحمل مسؤولية حرمان هذه الجالية من حقها في الخدمات القنصلية؟
لم يعد مقبولاً، بنظر شريحة واسعة من أبناء الجالية اللبنانية في كندا، أن تُدار مؤسسات الدولة بعقلية الانتقام السياسي والاستنسابية، وأن تتحول حقوق عشرات آلاف اللبنانيين إلى رهينة حسابات شخصية أو موازين قوى طائفية.
ويقول أبناء الجالية إن ما حصل في ملف القنصلية الفخرية في إدمنتون وألبرتا تجاوز منذ ثلاث سنوات حدود الخلاف الإداري، ليصبح، بالنسبة إليهم، نموذجاً صارخاً لما يعتبرونه سياسة إقصاء تطال شخصيات محسوبة على البيئة السنية، فيما يدفع أكثر من 135 ألف لبناني ثمن هذه الصراعات بحرمانهم من أبسط الخدمات القنصلية.
ويشيرون إلى أن حسين رحال لم يأت إلى موقعه بقرار عابر، بل حظي، بتأييد واسع من أبناء الجالية، وتولى مهامه لنحو عشر سنوات، وأنشأ القنصلية في مبنى وفره على نفقته الخاصة، وطيلة عشر سنوات تكفل بالمصاريف التشغيلية، وخدم اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف من دون تمييز.
لكن، بحسب أبناء الجالية، تبدل المشهد بعد خلاف مع السفير اللبناني السابق في كندا، منذ ثلاث سنوات بعدما رفض رحال اسلوب السفير في الطلب منه دعم السفارة في كندا بمبلغ محدد بمئة الف دولار، لتبدأ بعدها سلسلة مضايقات انتهت في الاسبوع الماضي بسحب اعتماده وإقفال القنصلية ، وهو ما يعتبرونه قراراً لم يقتصر أثره على شخص رحال، بل أصاب عشرات آلاف اللبنانيين الذين باتوا مضطرين إلى السفر لمسافات طويلة لإنجاز أبسط معاملاتهم.
أن القضية لم تعد تتعلق باسم شخص أو بمنصب قنصل فخري، بل بمبدأ المساواة في تعامل الدولة مع مواطنيها. ويتساءلون: لماذا تُنشأ أو تُبقى قنصليات في مناطق يقل فيها عدد اللبنانيين كثيراً وتكلف الدولة مصاريف، بينما تُترك واحدة من أكبر التجمعات اللبنانية في كندا من دون تمثيل قنصلي، رغم انها لا تكلف الدولة اعباء مالية؟ وإذا كانت الجالية مستعدة لتقديم مبنى مجهز بالكامل ووضعه بتصرف الدولة مجاناً لمدة عشر سنوات، فما هو المانع الحقيقي من استمرار عمل القنصلية؟
لا يخفي أبناء الجالية إن هذا الملف يعزز لديهم شعوراً بأن الطائفة السنية تتعرض لاقصاء ممنهج في حضورها داخل مؤسسات الدولة، وأن مواقعها تُفرغ تباعاً أو يُتعامل معها باستنسابية، معتبرين أن الصمت الرسمي حيال هذه القضية يفاقم الإحساس بالغبن ويطرح أسئلة مشروعة حول معايير اتخاذ القرار.
ويشدد أبناء الجالية على أن المطالبة بحقوقهم ليست دعوة إلى مواجهة طائفية، بل مطالبة بتطبيق مبدأ المساواة الذي يكفله الدستور لجميع اللبنانيين، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو مذهبية. ويؤكدون أن استمرار تجاهل هذا الملف لا يضر بشخص أو بجهة سياسية، بل يمس بصورة الدولة اللبنانية وثقة المغتربين بها، ويبعث برسالة سلبية إلى واحدة من أكبر الجاليات اللبنانية في العالم.
ويبقى السؤال هل تمتلك وزارة الخارجية أسباباً قانونية وإدارية واضحة لتبرير سحب الترخيص القنصلي في إدمنتون وألبرتا؟ وإذا كانت هذه الأسباب موجودة، فلماذا لا تُعلن للرأي العام؟ أما إذا لم تكن موجودة، فلماذا يُترك أكثر من 135 ألف لبناني من دون خدمات قنصلية، بينما تستمر قنصليات أخرى في مناطق لا يتجاوز فيها عدد اللبنانيين الاربعة الاف مغترب؟
إن كشف الحقائق أمام اللبنانيين في الداخل والاغتراب لم يعد ترفاً، بل ضرورة لاستعادة الثقة بالدولة، وللتأكيد أن الحقوق لا تُمنح على أساس الانتماء السياسي أو الطائفي، بل على أساس المواطنة والمساواة وسيادة القانون.


