واشنطن تهدّد بالقوة العسكرية .. هل يقبل رئيس الحكومة بتحويل لبنان إلى جمهورية موز!؟

جميل الحسيني / مناشير
يدرج في سياق المصطلحات السياسية استخدام تعبير “جمهورية الموز”، وهو مصطلح يطلق للسخرية أو ازدراء دولة غير مستقرة، وتواجه الأزمات على الصعيدين السياسي والاقتصادي، أو للانتقاص من قدرها وموقعها بين دول العالم بحيث تعتمد في موردها الزراعي على زراعة الموز .. ونشأ هذا المصطلح أوائل القرن العشرين للإشارة إلى حكومات بعض الدول في الأمريكيتين الوسطى والجنوبية وليطال لاحقاً آسيا وأفريقيا وأي دولة تواجه هذا النوع من الأزمات وتعاني الفوضى وغياب القرار السيادي بما يشبه “المزرعة الخربانة”.
وللمفارقة فإن الأمريكيين هم الذين أطلقوا هذا المصطلح وهم أيضاً الذين تسبّبوا ويتسبّبون بوصول الدول إلى هذا الدرك من التسيّب والاهتزاز، فقد أسهمت شركات زراعية أمريكية، وأبرزها “شركة الفواكه المتحدة” المتعدّدة الجنسيات، في خلق هذه الظاهرة وبدعم من حكومة الولايات المتحدة، حيث وفّرت هذه الشركات الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتحويل بعض بلدان أمريكا الوسطى مثل هندوراس وغواتيمالا إلى جمهوريات موز بعدما أفقدوها عوامل قوتها واستقرارها ومباني استقلالها وسيادتها.
أما في واقع حال لبنان فقد تجاوز الأمريكيون هذا الحد ليحوّلوه إلى جمهورية “الخُشُب المسنّدة” التي لا دور لها سوى أن تكون بمثابة أنصاب فارغة جامدة لا حول لها ولا قوة، فتأتي القرارات معلّبة وموضّبة وعلى الجميع أن يسمع ويطيع وينفّذ وعلى “عينك يا تاجر”، ووصل الأمر إلى حد تجرؤ العدو على إملاء مواقفه بكل وقاحة مستقوياً بالكاوبوي الأمريكي حيث رأى مكتب رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو أن “القرار الأخير لمجلس الوزراء في لبنان بالعمل على نزع سلاح حزب الله حتى نهاية عام 2025 كان قراراً جوهريّاً”، مؤكداً أنّ “هذا القرار يُمثّل فرصة للبنان لاستعادة سيادته، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش والحكم، وذلك من دون تدخل أو نفوذ من جهات غير دوليّة!!”.
المشكلة ليست في المدح الإسرائيلي للقرار الحكومي اللبناني فحسب بل أيضاً في اعتباره فرصة لاستعادة السيادة “ومن دون تدخل أو نفوذ من جهات غير دولية!!”، هذا يعني أن أي تدخل من داخل لبنان غير مسموح فيما يحق لـ”الجهات الدولية” أن تمارس نفوذها وتفرض على لبنان ما يريد!! وهذا ما ترجمه السيناتور الصهيوني في الكونغرس الأمريكي ليندسي غراهام حين زار بيروت بقوله: “إذا لم يُنزع سلاح حزب الله سلمياً فعلينا النظر في الخطة “ب”.. لا يمكن مطالبة إسرائيل بأي شيء إذا لم يتم نزع سلاح حزب الله..”، وحين انتقل إلى تل أبيب صعّد من وتيرة تهديداته بشكل مباشر كاشفاً أن الخطة “ب” هي “نزع سلاح حزب الله بالقوة العسكرية، فقد حان الوقت لإنهاء وجود حزب الله”.
منطق أمريكي – إسرائيلي يضجّ بالفوقية والاستعلاء وإملاء الأوامر، وكأن لبنان أصبح “حارة فلتانة” وليست دولة ذات سيادة أو نظام مستقل ولا يملك فيها المسؤولون أهليّة اتخاذ القرار الوطني الذي يكفل لأبناء البلد العيش بحرية وكرامة، فجاء المندوب السامي الأمريكي توم برّاك ومعه شيوخ جمهوريون وديمقراطيون اتّحدوا ليقولوا بالفم الملآن أن اتفاقية “سايكس – بيكو” الاستعمارية لم تعد صالحة لرسم حدود الدول في المنطقة، فهناك حدود جديدة رسمها نتنياهو لدولة “إسرائيل الكبرى” تمسح الكيانات القديمة لصالح الوطن القومي التاريخي لليهود.. أما “الغوييم” في هذه الكيانات فعليهم تقبّل واقعهم المستجد خدّاماً لليهود.
إنها الفرصة الأمريكية – الإسرائيلية السانحة التي قد لا تتكرّر لتحقيق مشروع حالت المقاومة دون تنفيذه لأكثر من مئة عام، منذ أن خلّف الاحتلال الفرنسي تركته البديلة أملاً في تشكيل كيان لبناني تابع للغرب ويكون بمثابة حديقة خلفية لـ”إسرائيل”، وما يدعو للأسف أن أصواتاً لبنانية أخذت على عاتقها إطلاق بروباغندا تسوّق لهذه الفرصة بلا مواربة أو خجل تحت مظلة “الشرق الأوسط الجديد” الذي يدأب نتنياهو على “التبشير” به في كل مناسبة اعتقاداً منهم بأن المقاومة في لبنان لم تعد قادرة على المواجهة، وأصبحت بين مطرقة تسليم السلاح أو التعرّض لخطر الاستهداف العسكري المباشر.
رمى الأمريكي كرة النار في الملعب اللبناني ويدفع باتجاه خلق صدام بين المقاومة وبيئتها وشعبها وبين الجيش اللبناني، فيما يروّج سياديو السفارات لسيناريو أخطر تبادر فيه “إسرائيل” إلى اجتياح بري مدعوم بقصف جوي وصولاً إلى نقطة الأوّلي بالتزامن مع إشعال الجبهتين الشمالية والشرقية مع سوريا.. والكلّ يعلم بأن تطوّر ميداني من هذا النوع يعني اندلاع حرب داخلية غير محمودة العواقب نظراً لتمسّك المقاومة بسلاحها حرصاً منها على عدم انكشاف لبنان أمنياً وتلافي إضعافه وتحويله إلى لقمة سائغة أمام التغوّل الأمريكي – الإسرائيلي.. كل ذلك والحكومة اللبنانية مستنكفة عن التحرّك وماضية في تنفيذ ورقة الإملاءات الأمريكية على الرغم من رفض “إسرائيل” لها وفي ظل غياب أي ضمانات محلية أو إقليمية أو دولية لحماية لبنان.
أمام حراجة الموقف اللبناني وحساسيته السياسية والأمنية المفرطة فإن المطلوب العودة إلى الالتزام بما أعلنه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في خطاب القسم وإلى البيان الوزاري الذي نالت حكومة سلام الثقة على أساسه من مجلس النواب، وهاتان هما الوثيقتان الوطنيتان اللتان يجب على الدولة اللبنانية اعتمادهما في مقاربة الحلول والمعالجات بعيداً عن أي إملاءات أمريكية أو غير أمريكية، والإعلان الواضح والصريح برفض أي خطوة من شأنها إضعاف لبنان ما لم يبادر العدو إلى الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة وتحرير الأسرى وإطلاق عجلة إعمار ما هدمته الحرب الإسرائيلية، على أن يلي ذلك فتح حوار لبناني داخلي شامل لإقرار استراتيجية الدفاع الوطني بمشاركة كل أطياف اللون السياسي في لبنان ومن دون تدخّل أي طرف أو جهة خارجية كما يرغب نتنياهو.
أما عن المقاومة وسلاحها، فإن الشهداء وقافلة الأبطال على اختلاف انتماءاتهم الحزبية وطوائفهم ومعتقداتهم السياسية والدينية من جبهة المقاومة الوطنية والإسلامية، والذين ضحّوا بأرواحهم من أجل صيانة حدود الوطني وحمايته من العدوان، وكذلك المضحّين من أبناء الشعب في الجنوب والبقاع وكل لبنان، لن يقبلوا بأن تضيع تضحياتهم سدىً في لحظة ضعف أو استسلام، والجيش الذي يجسّد وحدة الوطن وجامعة أبنائه سيكون كما كان وسيبقى عضداً للمقاومة وأهلها تقديساً لدماء الجنود والمقاومين التي امتزجت على تراب الجنوب فأنبتت الحرية والاستقلال والسيادة كما يجب أن تكون.



