وائل ياسين يطرح رؤية لتحويل لبنان إلى مركز اقتصادي متكامل للشرق المتوسطي

مناشير
استقبل رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية وائل خليل ياسين، في المقر الإقليمي لمجموعة جي سي اي للأعمال الدولية، في شتورا – البقاع، مجموعة من الإعلاميين ورجال الفكر والأعمال، حيث جرى نقاش موسع حول الأوضاع الاقتصادية والتنموية في لبنان، والرؤية التي طرحها ياسين لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس إنتاجية ومستدامة، وسبل تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

وفي اللقاء، جرى التوقف عند رؤية ياسين لتحويل لبنان إلى «المركز الاقتصادي المتكامل للشرق المتوسطي»، من خلال بناء منظومة متكاملة تجمع الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات اللوجستية والنقل والاقتصاد الرقمي والسياحة والاقتصاد البحري، مع إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية بين المناطق اللبنانية وفق مبدأ التكامل وليس التنافس.
وشكل مشروع نفق بيروت–البقاع محوراً أساسياً في النقاش، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية في ربط العاصمة بالسهل البقاعي واختصار الوقت والمسافات وكلفة النقل، وفتح ممر حديث لحركة الأشخاص والبضائع. وأكد ياسين أن أهمية المشروع لا تقتصر على الجانب المروري، بل تكمن في إمكانية ربطه مستقبلاً بشبكة سكك حديدية حديثة تصل بيروت بالميناء الجاف في البقاع، بما يجعل البقاع امتداداً لوجستياً طبيعياً للمرافئ اللبنانية.
الميناء الجاف في البقاع
كما جرى التركيز بصورة خاصة على مشروع إنشاء الميناء الجاف في البقاع، باعتباره أحد المشاريع المحورية في الرؤية الاقتصادية، بحيث لا يكون مجرد ساحة لتخزين الحاويات، بل مركزاً اقتصادياً ولوجستياً وصناعياً متكاملاً.
وأوضح ياسين أن الميناء الجاف المقترح يمكن أن يقوم على ثلاثة أقسام رئيسية ومتكاملة:
أولاً: القسم اللوجستي والجمركي، ويضم ساحات الحاويات والتخزين، والمراكز الجمركية، ومستودعات التبريد، ومراكز استقبال وفرز البضائع، ويرتبط مباشرة بالمرافئ اللبنانية عبر شبكة نقل حديثة وسكك حديدية، بما يخفف الضغط عن المرافئ ويخفض كلفة وزمن نقل البضائع.
ثانياً: القسم الصناعي والإنتاجي، ويضم مناطق صناعية ومراكز لإعادة التصنيع والتوضيب والتغليف، ولا سيما الصناعات المرتبطة بالمنتجات الزراعية والغذائية، بما يسمح بتحويل جزء كبير من الإنتاج الزراعي من مواد أولية إلى منتجات مصنّعة ذات قيمة مضافة وقابلة للتصدير.
ثالثاً: القسم التجاري والرقمي، ويضم مراكز للتجارة الإلكترونية، والمخازن الذكية، ومراكز التوزيع وإعادة التصدير، بما يسمح للبنان بأن يكون منصة داخلية لتجميع وتوزيع البضائع نحو الأسواق اللبنانية والعربية والإقليمية.
وأكد ياسين أن التكامل بين هذه الأقسام الثلاثة هو الذي يعطي الميناء الجاف قيمته الاقتصادية الحقيقية، إذ يتحول من مجرد منشأة تخزين إلى محرك للإنتاج والصناعة والتجارة وإعادة التصدير وخلق فرص العمل.
الزراعة المتخصصة والأعشاب الطبية والعطرية
وتناول اللقاء أهمية إعادة صياغة القطاع الزراعي اللبناني، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاج، وإنما عبر الانتقال إلى زراعات متخصصة ذات قيمة مضافة وأسواق تصديرية.
وفي هذا الإطار، جرى التأكيد على أهمية تطوير زراعة الفطر وإنشاء مراكز ومزارع متخصصة تعتمد التقنيات الحديثة، لما يوفره هذا القطاع من فرص إنتاجية في مساحات محدودة وإمكانات للتصنيع والتوضيب والتصدير.
كما شدد ياسين على أهمية التوسع في زراعة الأعشاب الطبية والعطرية في المناطق اللبنانية المناسبة، ولا سيما البقاع وعكار والجنوب وجبل لبنان، وربط هذه الزراعة بمراكز التجفيف والتوضيب والتصنيع واستخراج الزيوت والمستحضرات الطبيعية، بما يتيح الانتقال من بيع المنتجات الزراعية الخام إلى إنتاج منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى وقادرة على دخول الأسواق العالمية.
تطوير الاقتصاد البحري وتنمية مهارات الصيادين
وفي الجانب البحري، جرى بحث ضرورة الانتقال من مفهوم الصيد التقليدي إلى اقتصاد بحري متكامل يطور مهارات الصيادين ويفتح أمامهم مصادر دخل جديدة.
وفي هذا السياق، طرح ياسين أهمية تدريب الصيادين وتأهيلهم على تقنيات زراعة المحار والأصداف بمختلف أنواعها، والاستفادة من التجارب الحديثة في الاستزراع البحري، بما يتيح تطوير مهارات العاملين في هذا القطاع وتنويع إنتاجهم وتحسين دخلهم.
وأشار إلى أن تطوير قطاع الصيد لا يجب أن يقتصر على صيد الأسماك، بل ينبغي أن يشمل تربية واستزراع أنواع مختلفة من المحار والأصداف، وتصنيعها وتوضيبها وتسويقها، وصولاً إلى بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتصنيع والتصدير.
كما جرى بحث إمكانية إنشاء شركات أو تعاونيات بحرية حديثة يشارك فيها الصيادون بصورة أساسية، بحيث يصبح الصياد شريكاً في العملية الاقتصادية وليس مجرد عامل في قطاع تقليدي، بالتوازي مع تطوير المرافئ الصغيرة ومراكز الفرز والتبريد والتوضيب والتدريب.
مشاريع المرحلة الأولى
وفي إطار البحث في سبل الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ، أوضح ياسين أن العمل لن ينتظر بالضرورة إطلاق المشاريع الوطنية الكبرى أو صدور قرارات على مستويات عليا، بل يجري التوجه إلى إعداد سلسلة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الزراعية الحديثة التي يمكن البدء بتنفيذها بصورة تدريجية، وتشكل في مجموعها المرحلة الأولى من الرؤية الاقتصادية.
وأوضح أن هذه المشاريع يمكن أن تشمل الزراعات الحديثة ذات القيمة المضافة، ومنها زراعة الفطر والأعشاب الطبية والعطرية، ومشاريع التصنيع الزراعي والتوضيب والتجفيف، ومشاريع صغيرة ومتوسطة في مجالات الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية والاستزراع البحري، وغيرها من المبادرات التي يمكن أن تبدأ بإمكانات استثمارية واقعية وتخلق فرص عمل ودخلاً للمجتمعات المحلية.
وأكد أن الهدف من هذه المرحلة هو البدء بما هو ممكن ومتوافر اليوم، وعدم رهن التنمية بانتظار اكتمال المشاريع الكبرى، بحيث تشكل هذه المبادرات نواة عملية للاقتصاد الإنتاجي، وتراكم الخبرات والاستثمارات والمهارات، وتفتح المجال أمام توسعها لاحقاً ضمن المشاريع المتكاملة.
وأشار إلى أن المرحلة الأولى يجب أن تكون مرنة وقابلة للتوسع، وأن تعتمد على دراسات جدوى واضحة، وتحديد الأسواق المستهدفة، وتدريب الكوادر المحلية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وربط المنتج منذ البداية بسلاسل التسويق والتصدير، بحيث لا تكون المشاريع مجرد إنتاج محلي، بل جزءاً من رؤية اقتصادية أوسع تستهدف الأسواق اللبنانية والعربية والدولية.
نحو اقتصاد لبناني متكامل
وشدد المجتمعون على أن نجاح هذه المشاريع يتطلب ربطها ضمن منظومة واحدة، بحيث يتكامل نفق بيروت–البقاع مع الميناء الجاف، والميناء الجاف مع السكك الحديدية والمرافئ، والزراعة مع الصناعة الغذائية والتوضيب والتصدير، والأعشاب الطبية والعطرية والفطر مع الصناعات التحويلية، والاقتصاد البحري مع التصنيع والتصدير والتدريب.
كما جرى بحث سبل تنفيذ هذه الرؤية من خلال إعداد دراسات جدوى متخصصة، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، واستقطاب الاستثمارات، وإقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الدولية، ولا سيما في مجالات النقل واللوجستيات والزراعة الذكية والاستزراع البحري والتصنيع الغذائي.
وأكد ياسين أن الهدف النهائي هو إعادة تكوين الاقتصاد اللبناني على قاعدة الإنتاج والقيمة المضافة والتكامل بين المناطق والقطاعات، وتحويل لبنان من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويصدر، ويخلق فرص عمل جديدة، ويستفيد من موقعه الجغرافي ليكون مركزاً اقتصادياً متكاملاً للشرق المتوسطي.



