خبر عاجلسياسة

“هيبة الغرب”… أصبحت من الماضي؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“هيبة الغرب”… أصبحت من الماضي؟


مناشير

نكسات تليها نكسات والغرب عاجز عن فرض هيبته. كان سهلاً في ما مضى أن تقول أميركا: “كن… فيكون”. أو أن تهدّد أوروبا فيلبّي العالم طلباتها. فهل شاخت هذه الدول أما عالم في طور التغيّر؟

نرى أفريقيا تُهين رئيس الدولة الفرنسية، فيرفع رئيس دولة الكونغو الأفريقية التي كانت قبل سنوات خلت مستعمرة فرنسية. يمد أصبعه نحو إيمانويل ماكرون مندّداً، مهدداً ويقول له: “انظروا إلينا باحترام بعيداً عن دور الأبوة والإملاءات”… وبعد ذلك تتوحّد القارة السمراء، وتطرد الجنود الفرنسيين من بعد ما اكتفى الأفارقة من التفرج على نهب ثرواتهم وقلة أمنهم وأمانهم.

في عهد ماكرون، ضاعت الدبلوماسية. يطلق رئيس فرنسا التهديدات محذراً الصين، ثم ينحي ويعود إليها زائراً على وقع الضربات الاقتصادية التي تخنق القارة العجوز. أزمات اقتصادية واجتماعية تثقل كاهل أوروبا، إذ تكفي الإشارة إلى أنه مع أيام العام ٢٠٢٣ الأولى، رسمّت مديرة صندوق النقد الدولي صورة قاتمة عن الاقتصاد العالمي، فيما توقع خبراء ماليون أوروبيون أن تسجّل اقتصاديات الدول الكبرى ضمنها الاقتصاد الأميركي والأوروبي ركوداً، ناهيك عن دخول الاقتصاد الأوروبي في أزمة طاقة كبرى مع بداية الحرب الأوكرانية الروسية.

أمّا الشعوب في أوروبا فحالهم ليس أفضل من حال الدبلوماسية والسياسية. من هرب إلى أوروبا لاجئاً، قاصداً العيش الكريم، ندم أشد الندم، في حين أصبح “الحلم الأمريكي” هو الآخر كابوساً، مع الأزمة النقدية التي تضرب مصارف الولايات المتحدة، ولا يبدو أنّها ستتوقف على الرغم من التطمينات الحكومية.

في مقابل تراجع القدرة الشرائية لدى الشعوب الأوروبية والغرق بين أمواج اللاجئين العرب والاوكرانيين، استطاع الأفراد في روسيا أن يتخطوا الوعيد الغربي، نتيجة السياسات الروسية الداخلية التي زادت المخصصات للعائلات ولم تزد عليها أسعار المحروقات والغاز، بل وصل سعر الغاز إلى أدنى مستوياته، بعد وقف ضخه لأوروبا ووفّرته بكثرة في الأسواق الروسية الداخلية.

دولار أميركا الذي تحول في العقود الماضية إلى “سلاح”، يترنح تحت ضربات دول كانت في السابق “حليفة” لأميركا، ومنها مثلاً المملكة العربية السعودية التي تتشارك مع دول أخرى “نزعة” الاستقلال عن الدولار الأميركي المهيمن على ٨٥٪؜ من مدفوعات التجارة العالمية. دولٌ مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا وايران وحتى مصر والسعودية تسعى جاهدة للتخلص من العملة الخضراء في مدفوعاتها التجارية، أو الحدّ منها في أضعف الإيمان.

لم يعد لأميركا تلك السطوة والقوة، اللتين تهددان بهما من تشاء، وساعة تشاء. أمّا عقوباتها التي عمدت إلى فرضها بسخاء ضد كل من يحيد عن أمانيها فتتراجع بشكل ملحوظ، لصالح تعددية قطبية بدأت تلوح في الأفق، على حساب “أحادية” استطاعت واشنطن أن تفرضها منذ حرب العراق الثانية.

دولٌ مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا، استطاعت أن تتأقلم ثم تعيش وتتعايش مع تلك العقوبات، وتمارس أعمالها من دون أي خوف أو رادع، بل تهدّد واشنطن وتتعرض لمصالحها حول العالم.

اجتمعت دول الغرب قاطبة تحت إمرة أمريكا، فارضة عقوبات لا مثيل لها على مستوى العالم والتاريخ ضد روسيا، مما جعل المعاون السابق لوزير الاقتصاد الروسي سيرغي اليكساشينكو يصفها بـ”القنبلة النووية الاقتصادية” تسقط فوق رأس روسيا الاتحادية، لكن رغم ذلك استمرت روسيا ولم يكن لتلك العقوبات ذاك التأثير المميت لاقتصادها، الذي سرعان ما تكيّف وعاد إلى مساره الطبيعي، فأمست عملة الروبل الروسية الأكثر قوة، بشهادة “بلومبرغ” الأميركية التي أشارت إلى أنّ الروبل نما بنسبة ١١٪؜ منذ بداية العام الحالي، واضعاً اليوان الصين في سلّم اهتمامات الروس بدلاً من الدولار، فاتحاً الأبواب أمام “دول الأعداء” إلى التراجع والعودة إلى موسكو (منها اليابان التي كسرت الحصار المفروض على موسكو وتحاول العودة إلى شراء النفط والغاز من الروس)

خارجياً أيضاً، زاد منسوب التعاطف مع روسيا، وبدأت الدول بعد مضيّ عام على بدء الحرب في أوكرانيا، تتعاطف كثر وأكثر معها، خصوصاً الدول المنتجة للنفط والغاز، وقد تجلى ذلك في قرارات منظمة “أوبك بلاس” الأخيرة التي انحازت إلى قرار خفض الإنتاج تماشياً مع إرادة روسيا والسعودية، وحتى لو كان ذلك على حساب إغضاب واشنطن التي تلقفت الخبر بصمت وهدوء وعادت إلى سياسة “الصرف” من مخزونها الاستراتيجي.

انقلب السحر على الساحر، وبات حلفاء أميركا، وضمناً أوروبا، أعداء محتملين بعدما شبعت تلك الدول تكبراً أوروبيا وإملاءات أميركية. كل هذه المتغيّرات تقول صراحة، إن النظام العالمي الذي ساد لعشرات السنين وكانت الكلمة فيه لـ”قطب واحد” يبدو أنّه ولّى إلى غير رجعة، وإنّ الاقطاب المتعددة والمؤثرة، باتت شريكاً في صناعة القرار في العالم.

نبيل الجبيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى