منظمة العمل اليساري في بيان حول الأوضاع الخطيرة: نداء وطني للإنقاذ من خطر الاحتلال والمغامرة بمصيره

مناشير
يقف لبنان اليوم أمام أخطر اللحظات في تاريخه منذ تأسيس كيانه. فالحرب الإسرائيلية المتصاعدة عليه، في سياق حرب السيطرة الاميركية ـ الاسرائيلية على المنطقة، تضع البلاد مرة أخرى في مواجهة خطر التدمير الشامل، فيما يجد اللبنانيون أنفسهم محاصرين بين عدوان خارجي ينطوي على خطر ايقاع وطنهم تحت نير الاحتلال، الذي لا يتورع عن استخدام أقصى درجات العنف الهمجي، وبين انقسامات داخلية وسياسات متهورة تهدد بتفكيك ما تبقى من بنية الدولة والمجتمع.
إن منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني تدين بأشد العبارات العدوان الإسرائيلي على لبنان، وترى فيه استمراراً لسياسات ومشاريع واطماع اسرائيل التوسعية، التي لم تتوقف منذ قيامها عن استهداف لبنان وسيادته وأمن شعبه. إن قتل المدنيين وتدمير القرى والبنى التحتية وتهجير السكان جرائم لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، وهي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى إخضاع لبنان وفرض الوقائع بالقوة الغاشمة.
لكن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح، ودون مواربة، هي أن لبنان يُدفع اليوم مرة أخرى إلى قلب حرب إقليمية لا يملك قراره فيها. فإقحام البلاد في هذه الحرب، وربط مصيرها بمجريات صراع إقليمي واسع ومصالح خارجية، يعرّض اللبنانيين جميعاً لمخاطر وجودية لا قدرة لهم على تحمل أكلافها.
إننا نقولها بوضوح: نرفض أن يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين، كما نرفض أن يتحول شعبه إلى وقود لصراعات إقليمية تتجاوز حدوده وإمكاناته.
وفي هذا السياق، ترى المنظمة أن إصرار حزب الله على الانخراط في الحرب الدائرة في المنطقة، انطلاقاً من ارتباطه السياسي والعقائدي والاستراتيجي بالنظام الإيراني، يضع لبنان في موقع المواجهة المباشرة مع إسرائيل في حرب لم يقررها اللبنانيون، ولا تعبر عن إرادة وطنية جامعة.
غير أن مسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا التأكيد أن أهل الجنوب والبقاع والضاحية، الذين يتعرضون اليوم للقصف والتدمير والتهجير، ليسوا طرفاً في هذا القرار، بل هم ضحاياه المباشرون. هؤلاء اللبنانيون الذين قدموا التضحيات الجسام دوما في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، يدفعون اليوم مرة أخرى أثمان حرب لا يملكون قرارها، كما يدفع سائر اللبنانيين أثمان انهيار الدولة وعجزها.
إن معاناة هؤلاء ليست مادة للمزايدات السياسية ولا للاتهامات المتبادلة، بل هي قضية وطنية تتطلب تضامناً حقيقياً بين اللبنانيين جميعاً.
لكن الأخطر من الحرب نفسها هو أن لبنان يدخلها وهو في أسوأ أوضاعه التاريخية:
دولة شبه منهارة، اقتصاد مدمر، مؤسسات عاجزة، ونظام سياسي قام على الطائفية والمحاصصة وتقاسم النفوذ بين قوى لا يجمعها مشروع وطني جامع.
لقد حولت الطبقة السياسية الطائفية الدولة إلى غنيمة تتقاسمها باسم الطوائف، فيما تُصادر صلاحياتها الأساسية، وفي مقدمتها قرار الحرب والسلم، وها هي بعض قواها تحاصر الجيش بالتشكيك والاتهامات. وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى أمام دولة عاجزة عن حماية شعبها، أو حتى عن تقرير مصيرها.
إن استمرار هذا الواقع يعني ببساطة أن لبنان يسير نحو كارثة وطنية مفتوحة: حرب مدمرة من الخارج، واحتمالات انفجار داخلي من الداخل، في ظل تصاعد المخاوف والهواجس بين اللبنانيين.
وليس خافياً أن لبنان، في خضم الصراع الدولي والإقليمي الدائر حول إيران، لا يشكل أولوية حقيقية للقوى الكبرى المنخرطة في هذه المواجهة. وهذا يعني أن اللبنانيين قد يجدون أنفسهم مرة أخرى متروكين لمصيرهم، يدفعون وحدهم ثمن صراعات الآخرين.
أمام هذا الواقع الخطير، ترى منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني أن الصمت لم يعد جائزاً، وأن المسؤولية الوطنية تفرض قول الحقيقة كما هي:
لبنان مهدد اليوم في وجوده، وشعبه مهدد في أمنه ومستقبله. واستمرار السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة الخطيرة لن يقود إلا إلى مزيد من الدمار والانهيار.
ومن هنا، ولأن لبنان امام لحظة مصيرية تاريخية، ترى المنظمة أن رئاسة الجمهورية أولاً، ومعها رئاستي مجلسي النواب والحكومة، مطالبون اليوم وقبل فوات الآوان وبعيداً عن كل الاعتبارات والحسابات الفئوية ، بالتوافق على خطة انقاذية شاملة، تقوم على المبادئ التالية:
أولاً: رفض العدوان الإسرائيلي والدفاع عن حق لبنان في السيادة والأمن، ووقف استباحة أرضه وشعبه.
ثانياً: رفض تحويل لبنان إلى ساحة حرب إقليمية، والعمل على تحييد البلاد عن الصراعات التي تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
ثالثاً: استعادة الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم، باعتباره حقاً سيادياً لا يجوز أن يبقى خارج مؤسساتها الدستورية.
رابعاً: حماية السلم الأهلي ومنع انزلاق البلاد إلى الفتنة الداخلية التي ستكون أخطر من الحرب الاسرائيلية وتصب في طاحونتها.
خامساً: إطلاق صرخة وطنية جامعة مقدمة إلى تحرك سياسي وطني واسع، يمهد لفتح نقاش وطني جدي حول مستقبل النظام السياسي في لبنان، بما يضع حداً لمنظومة الطائفية السياسية التي أثبتت عجزها عن حماية الدولة أو إدارة أزماتها.
إن لبنان لا يمكن أن يُنقذ بالرهان على الخارج أو الارتهان له، والرضوخ لطلباته، ولا باستمرار الانقسامات التي تنهش المجتمع والدولة. إن إنقاذه يتطلب إعادة بناء مشروع وطني جامع يقوم على الدولة المدنية الديمقراطية، وعلى وحدة اللبنانيين في مواجهة الأخطار التي تهددهم جميعاً دون استثناء.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة تسجيل مواقف، بل لحظة مسؤولية تاريخية.
فإما أن ينجح اللبنانيون في الدفاع عن دولتهم وسلمهم الأهلي ومستقبلهم المشترك، وإما أن يتركوا بلادهم تنزلق مرة أخرى نحو المجهول.
بيروت 13 آذار 2026
المكتب التنفيذي
لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني



