مقالات

من المسؤول عن جراح طرابلس الفيحاء وأهلها المكلومين؟ – زهير هواري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

من المسؤول عن جراح طرابلس الفيحاء وأهلها المكلومين؟ – زهير هواري

 

د. زهير هواري

ما أصاب طرابلس الفيحاء من جراح خلال الايام والاسابيع الأخيرة هو نتيجة وليس سببا. الأمر لا يحتمل الأسرار والتخمينات وضرب المَندل. فالجثث التي انتشلت من بين الركام للآباء والأبناء والأمهات والفتيات لها قصة لا بد من حكايتها. جراح الضحايا تروي ما حدث عندما في لحظات قليلة تهاوى كل شيء.الأعمدة والسقوف، الجدران الخارجية والداخلية، الطوابق كمنازل بمن فيها وما تحويه. ونبدأ بالناس. عائلات من الفقراء ومستوري الحال سكنت في المبنى منذ سنوات، وجاهدت من أجل أن تتدبر أمور حياتها. الرجل في العمل والمرأة في تأمين حاجات الأسرة من مأكل ومشرب وملبس. سيدات الفقر تجبن الأسواق المجاورة بحثا عن الأرخص والأفضل وفق الممكن مما تحتجن إليه. الاولاد منهم من يلتحق بمدرسته صباحا ومنهم من تسرب من صفوفها، يغادر المبنى إلى سوق العمل في المهن المتاحة. وهي مهن أقسى وأكبر من أعمارهم الغضة. يعود منهكا في المساء متسخ الثياب واليدين. يتلهى قليلا في مشاهدة التلفزيون أو الهاتف الذكي، ثم يغلب التعب جفونه فينام دون أن تطرق بابه الاحلام الوردية فتحيل ليله جنائن خضراء. ليس من حق الفقراء أن يحلموا أكثر من النجاة بجلودهم هذا اذا نجحوا بذلك. ذلك المساء وتلك العشية عاد سكان المبنى جميعا كبارا وصغارا إلى فيء بيوتهم. ثم سمعوا الجدران تصطك بعنف، ثم لا تلبث أن تتساقط كتلا من الحديد والأسمنت على صدورهم ورؤوسهم ، تهرس لحمهم وتطحن عظامهم. يهرع جيرانهم وأبناء الأحياء المجاورة إلى نجدتهم، قبل أن تصل فرق الإنقاذ والاطفاء والدفاع المدني والجنود لتنظيم ورشة العمل بحثا عن الباقين على قيد الحياة. فوضى كاملة لبعض الوقت حيث تختلط أصوات المنقذين بأنين المحشورين بين الأنقاض المتراكمة بعضا فوق بعض، تطحن كل ما يقع وسطها.

لا ليست بلدية المدينة مسؤولة، وبالطبع ليس هؤلاء المستأجرين أو مالكي المبنى، مع ذلك يجب أن يكون هناك متهمون أمام عدالة دم الضحايا الذين جرى وداعهم مصحوبين بصخب الغضب من أمثالهم، الذين مازالوا على قيد الحياة ومهددين بفقدانها. لا. الموضوع أكبر من مبنى انهار دون سابق انذار مع أنه لم يكن مدرجا على لائحة المباني الآيلة إلى السقوط، كما مئة أو عدة مئات من مباني المدينة. ثم ماذا عن مباني باقي المدن والقرى والدساكر المنتشرة على مساحة الجغرافيا اللبنانية، بدءا من الجنوب مرورا بالضاحية الجنوبية إلى البقاعين الشمالي والغربي مما تعرض لوابل من قصف المدفعية والطائرات الاسرائيلية المعادية، والتي لمّا تزل تدك الأحياء لتحيلها أمواتا.

يسأل القاضي من المسؤول عن دماء من خسروا حياتهم، وجراح من يرقدون على أسرة الشفاء في المستشفيات. من وضع في رقبته دماءهم… لا أحد يتطوع للإجابة؟

الكل يصمت ولا أحد يحرك لسانه وشفتيه. كل يرمي التهمة على سواه. كل يتنكر لمسؤوليته عن هذا المصير الكارثي. منذ سنوات وصف تقرير للاسكوا طرابلس بأنها أفقر مدينة على الشاطي الشرقي للبحر المتوسط. ربما غزة تفوقها الآن. قبلا لا. أما في شمال وغرب البحر الابيض فلا شبيه أو مثيلا لها. هذه المدينة الأفقر ترد أسماء سياسيين منها في سجلات أغنى أثرياء العالم، ولا ترد بالطبع أسماء أفقر فقراء الكوكب الذين يقيمون في أحياء التبانة وبعل محسن والزاهرية و… هؤلاء لا أحد يعبأ بأسمائهم. هم بالأساس وفي أحسن الأحوال مجرد أعداد يجري احتسابها أو لا يجري لا فرق، مع أن كثيرين منهم يردون في قيود الشطب. الشطب هذه المرة من الحياة، لكن ذلك لا يغير في المشهد شيئا.

كل غسل يديه بماء نهر أبو علي، وصابون الأسواق القديمة، وكأن المبنى نفسه هو من قرر الانتحار، فألقى بجثمانه على الأرض، وفي داخله المقيمون في ربوعه غافلين عما ينتظرهم ذلك المساء. كل اللبنانيين تضامنوا مع المدينة وهبوا كعادتهم يضمدون جراح القلوب المكلومة. ولكن ماذا عن المستقبل ؟ يجب معرفة الفاعلين الذين تناوبوا على حكم المدينة ونهبها، والبطش بأهلها خلال العقود الماضية كي نتعرف بعدها على ما يمكن أن نفعله من أجلها وسواها كي لا تتكرر المصيبة غدا في حي آخر أو مدينة وقرية ثانية وثالثة.

ما سقط في طرابلس ليس هذا المبنى ولا الذي سبقه في أحيائها الفقيرة التي تقتات الجوع والفاقة وغياب الخدمات والرعاية والأخذ باليد للعبور في هذه الحياة القاسية، بل هذه الطبقة التي تحكمت وما تزال تتحكم بحياة أهلها وحياة اللبنانيين. الوطن بأسره آيل إلى السقوط يا سادة تحت رعايتكم المديدة. يتوارثها الأبناء عن الآباء كملكية خاصة. فيما الناس و المباني مهددة بالتحول إلى أكوام من الحجارة والحديد الصديء والأثاث المتشظي والاحلام المؤودة. هذه الطبقة التي تناوبت على حكم المدينة وباقي ربوعنا اللبنانية بمن فيها من رؤساء ووزراء ونواب و.. هي المسؤولة عن دماء من يسقطون وسقطوا وأشباههم في باقي المناطق، هذه الطبقة تحمل وزر ما قد يصيب باقي أهالي الأحياء والقرى والمدن. يتشاطر المجرمون من سياسيين ومقاولين ويبذرون الرشاوى في كل اتجاه، ويرفضون حتى معايير الحد الأدنى من شروط السلامة ومقومات البناء المتين والحامي لناسه، وعندما تقع الواقعة يذرفون دموع التماسيح بينما يخرجون من المساءلة كما تخرج الشعرة من العجين. وتبقى الجراح مفتوحة في قلوب الباقين على قيد الحياة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى