محسن إبراهيم: قلق الفكرة ونبض السؤال/ أحمد جابر

أحمد جابر / مناشير
فتح محسن ابراهيم كتاب كفيه، ومضى. قال السطر الأول: لا تسأل عن هدأة باله، بل خمن ما دار في قلق خياله. قال السطر الثاني: ليس جوابا في علم الصمت، مالم تسمع من غضب النبض، فانصت، سيهل على سمعك نبض سؤال.
قال السطر الثالث والرابع.. قالت كل الأرقام المنثورة فوق وريقات الكفين: إقرأ واقرأ واقرأ…لن تصل إلى سطر ختام.
هو محسن إبراهيم. فاتحة نص مفتوح، على نص مفتوح. لا أقفال تعيد المعنى إلى عتمة تكوينه. لا نقطة وقف، تحيد بنهر المعنى عن مجراه. مع محسن إبراهيم، يورق ورد الوقت. لا يذبل إسم الوقت. معه يكون الزمن مواقيت، ومواعيد، ووعوداً. ويطول النص الصعب. النص الممتنع على التأويل، إذ كيف يؤول ما ليس التباساً؟ وكيف يخلع شرح وتفسير الظن، على نص لا يلبسه ديجور الإبهام؟
وقيل احتجب “أبو خالد”!!. قول ردده من قال بأن الشاشة المرئية مرآة حضور، وأن الصوت المنقول أثيريا مهماز جواد لا يعدو في ميدان. نزل أبو خالد في أمكنة شتى. ولم ينزل عن سدرة معناه. نزل استقلالاً. نزل وضوحاً. نزل انحيازاً إلى جمهور الكدح. نزل إلى ساحة وطنه، محمولاً على فكرته العربية. نزل وطنياً عربياً في ساحات فلسطين. بان محسن إبراهيم في كل الأمكنة، وحكى، حين الحكي حديث مسؤول. وكان ظهوراً مرئياً. رأته العين المبصرة على استبيان. ورأته بصيرة “نقد النقد”، ولم تعثر على ظل ندائه عين البهتان.
ومضى من لن يمضي. ولا يغيب من كان من أصوات حضور. لم يكن محسن إبراهيم نسيجاً مفرداً من صمت. بل كان قوس قزح صيغ من صوت وصوت وصوت. لم يكن أبو خالد صنيع محض ذاته، عندما استوى ذاتاً معروفة. هو بلغ صيرورته مع أقران ورفاق. كان رفاقه عندما كان “القائد” وكان هؤلاء مطر القائد، عندما كانوا غمام رفاق. هي وحدة الأنداد التي أزاحت وحدة الأضداد، وفي قصيدة الجدل الموزونة على “بحور التعب”، صار “الند يظهر حسنه الند”. لزمن طويل مضى صمتت الأضداد، ولزمن ما بعد انطواء المعنى على جوهر زمن معناه، يهتف بالأنداد السؤال: ما السبيل إلى فتح كتاب الضد؟ وأي لسان جدلي يقرأ هذا الضد على كناية وطباق الند؟. لو فعل رفاق الأمس، ورفاق اليوم، لكان لهم اعجاز النص. وكم قيل إن البلاغة في الإيجاز… وكم أوجز محسن إبراهيم حين جعل النص هنيهات من إيحاءٍ. كم أوجز عندما أوصى بالهجرة من دار اليقين إلى دار الشك، وكم كان مصيبا عندما أشار إلى أن العمر العلقم، لا يجدي في نزع مرارته “عسل” العرفان.
مشى أبو خالد. سيكون هناك.. وهنا. سيبقى إسماً علماً. سيبقى زمناً من آمال. سيبقى في كل القبضات المرفوعة غضبا، المترعة بنار العزم وهي تدق “على باب الخزان”.



