لماذا يكره حزب الله نواف سلام؟ – خالد العزي

د.خالد العزي
إن العلاقة بين حزب الله ونواف سلام تحمل في طياتها الكثير من التوترات والصراعات السياسية، التي تعكس عميقًا الانقسامات داخل المجتمع اللبناني. نواف سلام، الذي يُعتبر من أبرز الشخصيات السياسية التي تسعى إلى بناء دولة لبنانية قوية وذات سيادة، يواجه تحديات كبيرة من قوى سياسية نافذة، وعلى رأسها حزب الله. هذا الحزب، الذي يملك نفوذًا كبيرًا في لبنان سواء على المستوى السياسي أو العسكري، يبدو أنه يعتبر نواف سلام تهديدًا خطيرًا لمشروعه السياسي، ولذلك يُشَن عليه هجوم إعلامي مستمر، كان آخر مظاهره التظاهرات التي أُقيمت أمام السراي الكبير في بيروت تحت شعار “إسقاط نواف سلام”.
التظاهرات ضد نواف سلام: محاولة لإشعال الفتنة
في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة اللبنانية عددًا من التظاهرات الحاشدة التي حملت عنوان “إسقاط نواف سلام”، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول دوافع حزب الله وراء هذا التصعيد. التظاهرات لم تكن مجرد حركة احتجاجية عابرة، بل كانت جزءًا من حملة منظمة لتعبئة الرأي العام ضد سلام، متهمة إياه بكونه “مؤيدًا للتفاوض مع العدو”، وهو تهمة يحرص حزب الله على نشرها لتشويه صورة خصومه السياسيين.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذه الحملة ضد نواف سلام لا تُوجه فقط إلى شخصه، بل هي في جزء كبير منها محاولة لخلق “عدو أساسي” يمثل تهديدًا للطائفة الشيعية وحلفائها، وهو ما يعكس الرغبة في تحويل التركيز عن الأهداف السياسية الأكبر التي قد تكون أقل شعبية، مثل الخلافات السياسية داخل التحالفات الطائفية.
لماذا لا يتم التظاهر ضد عون وبري؟
و الجدير بالذكر أن التظاهرات التي جرت لم تخرج أبدًا ضد رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، ولا ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري. هذا الأمر يُعتبر لافتًا، لأن التظاهرات الشعبية ضد نواف سلام غالبًا ما كانت تُروج لفكرة أنه يسعى للتفاوض مع الخارج أو أنه يمثل تهديدًا للمصالح الوطنية. لكن حزب الله يعلم تمامًا أن هجومًا ضد ميشال عون أو نبيه بري سيكون بمثابة خط أحمر، وبالتالي فإنهم يفضلون تفادي أي توتر مع الحليفين الرئيسيين في الساحة اللبنانية.
الرئيس عون، الذي يمثل المؤسسة الرئاسية، له مكانة كبيرة في النظام السياسي اللبناني، وهو يشكل جزءًا أساسيًا في التحالفات والمكونات التي يبتعد عن المس بها حزب الله. لذلك، أي هجوم عليه أو محاولة إسقاطه في الشارع ستؤدي إلى تدمير التحالفات الراسخة، وهو ما لا يسعى إليه الحزب الذي يحرص على استقرار موقعه في الساحة السياسية اللبنانية.
ويمكن الاستشهاد هنا بمثال من عام 2005 عندما حاولت بعض القوى السياسية إسقاط الرئيس أميل لحود في الشارع، إلا أن البطريرك صفير، آنذاك، وضع “خطًا أحمر” للحفاظ على الاستقرار وعدم السماح بتكرار التجربة. كما أن البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عام 2019، رفض أيضًا تكرار هذه التجربة مع الرئيس ميشال عون، مشددًا على ضرورة الحفاظ على هيبة المؤسسة الرئاسية وعدم التورط في صراعات شوارع.
حزب الله وخلق عدو وهمي: نواف سلام
يبدو أن حزب الله يتبع استراتيجية قديمة تعتمد على تحويل نواف سلام إلى “عدو رئيسي” للطائفة الشيعية ولمشروع الحزب السياسي. فبدلاً من التركيز على انتقاد خصومه داخل الطائفة الشيعية أو محاولة إسقاط حلفائه مثل جوزف عون أو نبيه بري، يخلق الحزب صورة سلبية عن نواف سلام باعتباره “عدوًا للسنة” و”خادمًا للعدو الصهيوني”.
من خلال هذه الحملة الدعائية المكثفة، يعمل حزب الله على استغلال الأداة الإعلامية لتحويل نواف سلام إلى رمز لتهديد الأمن الوطني اللبناني، ويصفه بأنه “صهيوني”، “داعم للإرهاب”، و”داعية لإقامة إمارة إسلامية” بحال الاستعانة بالطائفة السنية . وقد تكون هذه الحملة جزءًا من محاولات الحزب لتوجيه رسالة إلى الطائفة السنية في لبنان، محاولًا إظهار نواف سلام كأحد الأعداء المزعومين للشيعة، وهو ما يمكن أن يشعل الفتنة بين الطوائف.
إعلام حزب الله: أداة لبث الكراهية والتشويش
لقد أصبح الإعلام الدعائي لحزب الله أداة قوية لنشر هذه الصورة السلبية عن نواف سلام، حيث يتم تصويره بشكل مستمر على أنه يمثل تهديدًا للطائفة السنية، وبالتالي يُستباح استخدامه في المعركة السياسية ضد أي شخص يتحدى الهيمنة الشيعية في لبنان. من خلال الإعلام، يُروج لمفاهيم حول أن نواف سلام يسعى إلى تحريك الشارع السني ضد الطائفة الشيعية، مما يزيد من مشاعر الكراهية بين المكونات اللبنانية.
لكن في الواقع، نواف سلام لم يظهر أبدًا كخصم لطائفة معينة، بل كان دائمًا يؤكد على ضرورة بناء دولة لبنانية مركزية قوية وغير خاضعة للميليشيات أو القوى الطائفية. وبالتالي، فإن الهجوم عليه يبدو كجزء من حرب دعائية تسعى إلى تحريف صورته في الأوساط السنية وشيطنته.
حزب الله والرسالة الموجهة إلى نواف سلام
التصعيد ضد نواف سلام يتعدى مجرد التصريحات الإعلامية أو الحشد في الشوارع. فهو يرسل رسالة قوية إلى الطائفة السنية في لبنان، مفادها أن حزب الله هو القوة الوحيدة القادرة على حماية مصالحها. كما أن الهجوم على سلام يهدف إلى تقويض أي محاولة لبناء تحالفات سياسية قوية تتجاوز الطائفية، وهو ما قد يهدد استقرار سيطرة حزب الله على المشهد السياسي.
إن حزب الله، من خلال مهاجمته لنواف سلام، يسعى أيضًا إلى تأكيد سطوته على الواقع السياسي اللبناني، ويؤكد على موقفه الثابت في عدم السماح بتشكيل أي تحالفات سياسية يمكن أن تشكل تهديدًا لهيمنته، خاصةً عندما يتعلق الأمر بحلفائه المقرّبين مثل الرئيس جوزيف عون والرئيس نبيه بري.
في النهاية، ما يجمع كل هذه التحركات ضد نواف سلام هو أن حزب الله يسعى إلى الحفاظ على هيمنته السياسية في لبنان من خلال تدمير أي شخصية أو مشروع سياسي قد يشكل تهديدًا لهذا النفوذ. نواف سلام، بشخصيته المستقلة ورؤيته لبناء دولة لبنانية قوية غير خاضعة للميليشيات، يعتبر حجر عثرة أمام مشروع حزب الله، ولذلك يواصل الحزب حملاته الإعلامية ضده ويصفه بالعدو الرئيسي للطائفة الشيعية. ولكن، هذه الحملات قد تزيد من تعميق الانقسامات السياسية والطائفية في لبنان، وتثير المزيد من الصراعات حول مستقبل الدولة.



