هروب سبتة أم هروب غيرها.. سيكون هروب الظُلّام – راشد الشاشاني

د. راشد الشاشاني
الحوار ليس هو الحل الأمثل ،،، إنّه : السجن ، سحب الألقاب ، الامتيازات …
لا يرفع الوضيع إلّا مثله …
ليس كبيراً هذا هروب سبتة _ كما تسميه الأوساط الإعلاميّة _ فهو لا يتعدّى ذرّةً مقداره في مقابل أسبابه . حتى لا يبقى حديثنا قاصراً على بلد ما ؛ يجعل منه مجرّد تعليق على حادثة ، ولأنّنا نرى فيه مثالاً صالحاً لمساحة أكبر ؛ سنعمّم حديثنا ولن نخصّصه بدولة معينة ، مستعينين بالهروب هذا مثالاً .
بغضّ النظر عن تلك المبرّرات الإعلاميّة المتخيّلة حول أسباب المشكلة ، التي زادت التصريحات الرسميّة في إغراقها عند وحل الإستدارة عن الحقيقة ، فلا هي المشكلة : تقارباً بين إسبانيا والجزائر بعد قطيعة ، ولا هي دعم إسبانيا لقضايا فلسطين وغزّة ؛ التي يروّجها أصحاب ” كروش التبن ورؤوس الفضلات ” حول مؤامرة ” صليبيّة ” ولا نتيجة كأس العالم التي أشبعت شعوب هذه الدول ” لعقاً لمخلّفات أجهزة مخابراتها ” ، وإذا وضعنا في الحسبان ثورة ” جيل زد ” التي استندت على ذات أسباب ” الهروب الصغير ” ، وتذكّرنا أنّ إخمادها كان بأسباب التخدير ذاتها ، يمكننا التأكيد على : أنّ أسباب كليهما المعلنة لم تكن حقيقيّة _ كما هي محاولات علاجهما .
ليست الأسباب معيشيّة ، اجتماعية ، اقتصاديّة .. الخ ، هذ نتائج وليست أسباب ، السبب في السياسة لا في الإقتصاد ، طريقة الحكم التي تستند على حكم الأفراد ، الذين تستيعن بهم السلطة ؛ لضبط فئات يتبعون لها ؛ بحيث تُقلب معادلة التبعيّة هذه ، ينتهي معها الانسان ” ولن أقول ” المواطن فهو لم يبلغ هذه المرحلة بعد ” إلى محتاج متسوّل عند أبواب ” أحذية السلطة ” التي لا تتوقّف عند حدّها هذا ، بل تستعمل نفوذها في السيطرة ، وفرد شبكات قوّتها على امتداد مساحة العمل الحكومي أوّلا ، الذي يتيح لها السيطرة على مساحة العمل الخاص بالضرورة : العطاءات ، الوظائف ، الخدمات … الخ ، بالطبع هذا كلّه تحت حماية السلطة ؛ والقوانين التي ترى مَن تَحتَها فقط ، وتعمى عمّن فوقها .
حتى أنّ تفاصيل القوانين التي تحكم شؤون الناس الخاصّة ترسّخ مثل هذا ، وإذا أردنا ضرب مثال بسيط يومي ؛ نورد أحكام التنازل عن الحق الشخصي والصلح ؛ التي من شأنها التأثير في حكم المحكمة ، وهي تستلزم بالضرورة دخول وسطاء بين الخصمين ، رسّخت السلطة نفوذهما حتى في أحوال الناس الخاصّة .
لا يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل تصنع السلطة لذاتها قداسة ، وفي مفهومنا للقداسة لا يمكننا إغفال أنّها تستلزم ” عبيداً ” وكلّ حديث عن حقوق الإنسان في هذا الإطار ؛ لا نصنّفه إلّا مداساً ” لأقدام ” كلاب السلطة ” وهي تبيع وتشتري في حياة الناس و صحّتهم وأموالهم وأعراضهم .
هذا كلّه لا يُعفي الناس من مسؤوليتهم عن التيه في سذاجتهم ؛ وهم يصدّقون وعود الإزدهار وجذب الإستثمار وفرص العمل ، التي لا يستفيد منها إلا ” كلاب السلطة وأذناب العصابات ” وهم فوق ذلك يسيّرون _ بحكم التركيب السابق _ قوانين بلادهم وكيفيّة تشكيل مؤسّساتها وفقا لهذا النهج ، لقد غَفِل هؤلاء الناس أنّ مشكلتهم في ” حكمهم ” لا في عمَلهم ، وراحوا مع ذلك يركعون أمام ” سراب الغد ” و ” وعود السماء ” التي اخترعها الأسياد لحكم العبيد ، وهم لا زالوا يخشون دفع ثمن بسيط يغيّر حالهم ؛ في ذات الوقت الذي لا يخشون فيه من الإبحار في ” مياه الموت ” وهم يفرّون من جور ” أوهامهم ” ، بعد أن انتظروا فرص العمل ولم تأتِ ، وعقدوا الأمل على خبير في الاقتصاد تولّى شأنهم ؛ ولم يفعل …. الخ ، غَدَرهم وأغرَقَهم الفساد ؛ وهم يرقبون ضبطه متلبّسا مع كيس مسروقاته .
الفساد ليس سرقة الأموال ، إنّه سرقة السلطة والنفوذ بالطريقة التي أشرنا إليها ، والحلّ ليس بالحوار كما تُشيعه أو حتى تعرفه ” سذاجة الموظفين ” وفريق ” حاضر سيدي ” ، ولا بتشكيل حكومة اقتصاديّين أو تكنوقراط ، هؤلاء يبحثون عن جمع المال ؛ ولو بطريقة دنيئة تشبه تقاريرهم السريّة التي اعتادوا كتابتها ، لقد أتوا من ذات ” مستقع الأحذية ” من يريد حلّ أزمة الناس لا يُطلق الوعود ، لا يُغيّر ” قبّعات ” غراسينه ” ، ولا يحيل إلى القضاء حتى تفصّل الأحكام ، بل يزجّ على الفور بالسجن ، يسحب الألقاب ، ويسترد الرواتب والإمتيازات منذ تولي الفاسد منصبه ، كلّ هذا بالعلن .
طالما أنّ هذا لم يحدث ، فعلى من يريد تصديق أنّ مؤامرة على ” مواقع التواصل ” يمكنها اقناع عشرات الآلاف_ وغيرهم بالملايين _ بترك بلادهم والمخاطرة بحياتهم ؛ أن يعلم أنّ هذه ؛ هي الأسباب التي دفعت بهم إلى الوقوع في شراك هذه المؤامرة التي ركّبتها ” كلاب السلطة ” حين فَعَلَت ما فَعَلت ؛ وبعد ذلك قرّرت أن تتخلّص من هؤلاء _ بطريقة ما _ وطردهم إلى خارج الحدود للقضاء على قوتهم في إثارة الداخل ، هذا يُجيب على تساؤلٍ مفاده : أين هي أعين السلطات ؛ التي لا يُعفيها الإنشغال بمناسبة وطنيّة .
لكنّ الجديد في عالم التغيّرات التي شهدتها المنطقة يقضي بعكس ذلك ، لقد اقتنص المطرودون من بلادهم فرصة ” التعسكر على حدودها ” وتحيّن فرصة الانقضاض على حكم طال عهد ظلمه ، حتى ظنّه كلابه أنّه آبد مقدّس ، وظلّوا ” ينسحبون تكتيكيّا ” حتى بانت عورتهم .



