لبنان على حافة الانفجار… بين دولة تُستعاد وساحة تُستباح – أسامة القادري

أسامة القادري – مناشير
في 13 نيسان، ذكرى اندلاع الحرب الأهلية، لا يعود اللبنانيون إلى الماضي من باب الذاكرة فقط، بل من باب القلق المشروع من تكراره. فلبنان اليوم لا يقف على خط النار فحسب، بل على حافة انهيار داخلي متعدد الأبعاد، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا، قد يكون الأخطر منذ نهاية الحرب.
ما يجعل اللحظة الراهنة أكثر خطورة، أنّ عناصر الانفجار لم تعد كامنة فقط في الخارج، بل باتت متجذّرة في الداخل. فالمشهد لم يعد يقتصر على حرب ودمار ونزوح، بل يتجاوز ذلك إلى مناخ عام من التحريض الممنهج، والتخوين المتبادل، وإعادة إنتاج خطاب الحرب الأهلية بأدوات جديدة. الأخطر أن القوى السياسية الطائفية التي شاركت في تلك الحرب، لم يُجرِ مراجعة فعلية لتجربته، ولم يجرؤ يومًا على “تحريم الدم اللبناني” بشكل واضح، ما يجعل استحضار الماضي اليوم أقرب إلى التوظيف السياسي منه إلى العبرة التاريخية.
هذا المناخ لا يُنتج فقط توترًا سياسيًا، بل يُعيد تشكيل بيئة قابلة للاشتعال، حيث يصبح أي حادث أمني قابلًا للتحوّل إلى شرارة فتنة واسعة. وهنا تكمن الخطورة: الانفجار، إذا وقع، لن يكون عفويًا، بل نتيجة تراكمات مقصودة ومُدارة.
على المستوى الخارجي، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن التحولات الإقليمية الكبرى. المنطقة تعيد رسم خرائطها السياسية والأمنية، عبر مفاوضات مفتوحة وتفاهمات غير معلنة.
في هذا السياق، يتراجع موقع لبنان من لاعب محتمل إلى ورقة تفاوض تُستخدم عند الحاجة.
إيران تنظر إليه كجزء من منظومة نفوذها الإقليمي، توظّفه في تحسين شروطها التفاوضية.
إسرائيل تتعامل معه كجبهة مفتوحة ومستباحة، تُدار وفق حسابات أمنية بحتة، دون اكتراث فعلي باستقرار الداخل اللبناني.
أما الولايات المتحدة، فتُدير المشهد بمنطق احتواء التصعيد ومنع الانفجار الكبير، لا معالجته جذريًا.
هذا التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية يُنتج واقعًا شديد التعقيد: لبنان ليس فقط ساحة صراع، بل ساحة تلاقٍ لصراعات الآخرين.
قبل ما سُمّي “حرب الإسناد”، كان الجنوب يخضع لقواعد اشتباك شبه مستقرة، تضبط إيقاع التصعيد وتمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. أما اليوم، فقد انهارت هذه القواعد إلى حد كبير. الجبهة مفتوحة، والدمار واسع، والنزوح مستمر، فيما الأفق السياسي غامض. هذه ليست حربًا تقليدية يمكن قياسها بموازين الربح والخسارة، بل استنزاف طويل يُضعف الدولة والمجتمع معًا.
الأخطر من ذلك، أنّ لبنان يُزجّ مرة جديدة في مواجهة لا يملك قرارها. فلا الدولة تقرر الحرب، ولا هي قادرة على فرض السلم. وهذا الخلل ليس تفصيليًا، بل يمسّ جوهر مفهوم الدولة نفسها. فالدولة التي لا تحتكر قرار استخدام القوة، تفقد تلقائيًا قدرتها على حماية مواطنيها، وعلى إدارة أزماتها، وعلى التفاوض باسمهم.
من هنا، يصبح الحديث عن “السيادة” ليس شعارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا. فغياب السيادة لا يعني فقط ضعف الدولة، بل يعني أيضًا تحويل المجتمع إلى مجموعات متنازعة، لكل منها حساباتها وارتباطاتها.
هناك مشروع يسعى إلى إعادة بناء الدولة على أساس السيادة وحصرية السلاح وقرار وطني مستقل،في مقابل مشروع آخر يُبقي لبنان ضمن منطق “الساحة”، حيث تتقدّم الاعتبارات الإقليمية على المصلحة الوطنية.
في هذا السياق، يظهر الانقسام الداخلي بوضوح متزايد:
هناك مشروع يسعى إلى إعادة بناء الدولة على أساس السيادة وحصرية السلاح وقرار وطني مستقل،
في مقابل مشروع آخر يُبقي لبنان ضمن منطق “الساحة”، حيث تتقدّم الاعتبارات الإقليمية على المصلحة الوطنية.
ضمن هذا الانقسام، تأخذ حملات التخوين بعدًا يتجاوز السياسة. فهي ليست مجرد سجال، بل أداة ضغط لإسكات أي خطاب يدعو إلى استعادة دور الدولة. ومن هنا يمكن فهم التصعيد ضد رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يُستهدف لأنه يطرح مقاربة مختلفة، تقوم على إعادة الاعتبار للمؤسسات.
لكن الأخطر من التخوين، هو التلويح المستمر بالحرب الأهلية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا التلويح يُستخدم كوسيلة ردع داخلية، لكنه في الوقت نفسه يُعيد تطبيع فكرة العنف كأداة سياسية، وهو ما يُهدد ما تبقى من استقرار هش.
أمام هذا الواقع، لا يمكن الاكتفاء بالتوصيف. المطلوب مقاربة عملية تبدأ من إعادة تثبيت مرجعية الدولة.
وهذا يمرّ أولًا عبر قرار سياسي واضح بحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ليس كشعار، بل كخطة تنفيذية تدريجية.
وثانيًا، عبر تفعيل دور الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وتوفير الغطاء السياسي الكامل لها.
وثالثًا، عبر إطلاق حوار وطني جدّي، برعاية رسمية، يهدف إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية بعيدًا عن الاصطفافات الحادة.
في هذا الإطار، تبرز أهمية أي دعوة جامعة، برعاية رئيس مجلس النواب نبيه بري، كمدخل لإعادة فتح قنوات التواصل، شرط أن تكون مبنية على هدف واضح: حماية الدولة، لا إدارة الانقسام.
بالتوازي، لا بد من تحرّك دبلوماسي أكثر فاعلية. فلبنان، رغم ضعفه، لا يزال يمتلك أدوات قانونية وسياسية يمكن توظيفها. التوجّه إلى مجلس الأمن، وتفعيل العلاقات مع الدول المؤثرة، كأميركا وفرنسا وروسيا والصين، يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة، لا مجرد رد فعل ظرفي. الهدف ليس فقط وقف إطلاق النار، بل تثبيت قواعد استقرار طويلة الأمد، تضمن الانسحاب الإسرائيلي وتمنع تكرار التصعيد.
لكن يبقى التحدي الأساسي داخليًا. فالتجارب أثبتت أن أي تسوية خارجية لا تستند إلى قرار داخلي سيادي، تتحول إلى هدنة مؤقتة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار.
اليوم، يقف لبنان أمام مفترق حاسم:
إما أن يستمر كمساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ،
أو أن يعيد تعريف نفسه كدولة تمتلك قرارها.
الفرق بين الخيارين ليس نظريًا، بل يحدد مصير بلد بأكمله.
فالدول لا تُبنى بالنيات، بل بالقرارات.
والسيادة لا تُمنح، بل تُنتزع.
وفي لحظة بهذا الحجم من المخاطر، تصبح القاعدة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
من لا يملك قراره… لا يملك مستقبله.



