خبر عاجلمقالات

قطر وتحولات النفوذ في الشرق الأوسط – سعيد عيسى 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

قطر وتحولات النفوذ في الشرق الأوسط – سعيد عيسى

د. سعيد عيسى

الشرق الأوسط اليوم ليس كما كان قبل سنوات خلت، يغرق في سلسلة من الحروب يتناسل بعضها من بعض، من غزة إلى لبنان فالخليج وصولاً إلى المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. لم تقتصر آثار تلك الحروب على إعادة رسم خرائط النفوذ، بل أعادت صياغة مفهوم القوة ذاته. فقد كانت موازين النفوذ في المنطقة تقاس بحجم الترسانات العسكرية وشبكات التحالفات، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى معادلة مختلفة، فأصبح الحفاظ على قنوات الاتصال بين الخصوم جزءاً من معادلة القوة وربما أحد اهم عناصرها.

لم يأتِ هذا التحول من فراغ، فكلما فشلت القوة العسكرية عن اجتراح حلول سياسية، ولم تستطِع تبديل الوقائع على الأرض، واهتزت الثقة بين الخصوم، وحلّت العداوة بينهم، صار من الصعب إقناعهم بالجلوس على طاولة المفاوضات. من هنا، بدأت تبرز قيمة اللاعبين القادرين على التحرك في مساحات عجزت عنها القوة العسكرية، وهي المساحات القائمة على الوساطة، ونقل الرسائل وفتح قنوات الحوار، ومنع أو الحد من الانزلاق نحو مواجهات أوسع.

 

في هذا السياق، يبرز الحضور القطري المتنامي أكثر من مجرد نشاط ديبلومسي مرتبط بظرف إقليمي عابر، ومن الواضح أن الدوحة لا تتحرك بين طهران وإسلام آباد وواشنطن والقاهرة وبيروت وأنقرة لأنها قررت فجأة لعب دور الوسيط، بل لأنها استثمرت لأكثر من عقدين في بناء سياسة خارجية تقوم على مبدأ الاحتفاظ بخيوط تواصل مع الجميع حتى في أكثر اللحظات قتامة بين الخصوم. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس لماذا تتوسط قطر في أكثر من ملف، بل لماذا أصبحت أطراف متخاصمة خاضت أو تخوض حروباً ضد بعضها البعض، تجد نفسها مضطرة للمرور عبر الدوحة كلما اقتربت المنطقة من حافة الانفجار أو وجدت نفسها في أتون حرب لا أفق لنهايتها؟

 

 

 

نفوذ مختلف

 

اعتبر كثيرون أن قطر حين أنهت الأزمة السياسية والأمنية في لبنان سنة 2008، وما عرف لاحقاً بـِ “اتفاق الدوحة”، أن الأمر لا يتعدى كونه نجاحاً ديبلوماسياً مرتبط بظروف معينة، وما بدا آنذاك استثنائياً، تحول لاحقاً إلى مسار ثابت في السياسة الخارجية القطرية. فمن لبنان إلى دارفور، ومن الوساطة في النزاع اليمني خلال سنواته الأولى، وصولاً إلى استضافة طالبان واحتضان المفاوضات التي مهدت للانسحاب الأميركي من أفغانستان وغيرها من الوساطات، كانت خلالها الدوحة تراكم خبرات متنوعة في إدارة الأزمات وتنأى بنفسها عن الاصطفافات الحادة. هذا التراكم لم يكن فقط سلسلة من الوساطات الناجحة، بل نتيجة استثمار طويل في بناء الثقة. فالوسيط الناجح هو القادر على حفظ الأسرار، ونقل الرسائل بأمانة، وتوفير مساحة للحوار، والثقة بدورها لا تبنى من خلال أزمة واحدة بل عبر سنوات من القيام والالتزام بالدور نفسه.

 

عوامل عديدة ساعدت قطر على ترسيخ موقعها هذا، فالعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، واستضافة أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الخليج منحتها علاقة مميزة تطل من خلالها على دوائر القرار في واشنطن، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقة وطيدة مع إيران، فرضتها الجغرافيا والمصالح المشتركة، وفي مقدمتها حقل الغاز المشترك في الخليج (حقل الشمال وبارس الجنوبي)، ونجحت في تجنب الانزلاق إلى تحالفات المحاور، وهذا منحها هامش مناورة لا يتوفر للعديد من العواصم الإقليمية. ولعل ما ميز السياسة القطرية أنها لم تبنَ على محاولة منافسة القوى الكبرى، بل على سد فراغ ديبلومسي تركته الاستقطابات المتزايدة، فكلما تراجعت قدرة الخصوم على التحدث مع بعضهم مباشرة ووجها لوجه ازدادت أهمية قطر في الإبقاء على خطوط الاتصال مفتوحة بين الطرفين المتخاصمين.

 

 

 

أزمات مترابطة

 

كشفت التحركات القطرية مؤخراً عن إدراك واضح بأن أزمات الشرق الأوسط باتت مترابطة ولم تعد منفصلة عن بعضها البعض، فما يجري في جنوب لبنان لا يمكن فهمه بعيداً عن المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، ومصير هذه المواجهة مرتبط أيضاً بمصير الاتصالات بين واشنطن وطهران، والحرب في غزة لم تعد منفصلة عن شبكة واسعة من التفاعلات الإقليمية المؤثرة في أمن الخليج، وشرق المتوسط والملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية. ومن هذا المنطلق، كانت التحركات القطرية على أكثر من خط في الوقت عينه. اتصالات دبلوماسية ترمي لوقف إطلاق النار على جبهة لبنان، ومنع انزلاقها إلى مواجهة أوسع، بالتوازي مع بذل جهود لاحتواء التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته كانت قنوات الدوحة مفتوحة لتلقي تبادل الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين الطرفين، عندما تتعثر الاتصالات الرسمية أو تستحيل سياسياً.

 

والدور القطري لم يولد مع الزمة الحالية، فخلال السنوات الماضية لعبت قطر أدواراً في ملفات تبادل المحتجزين، وفي تقريب وجهات النظر بين أطراف كان صعب اجتماعها، سواء في الملف الأفغاني او في الحرب على غزة أو في الاتصالات المرتبطة بإيران. والملفات هذه على اختلافها تحتاج إلى وسيط لديه علاقات مع أطراف لا تثق ببعضها البعض. وقيمة الوساطة القطرية لديها ميزة وهي قدرتها على منع انهيار المسارات الدبلوماسية أو التفاوضية عندما تصل إلى مستويات قريبة من الفشل. ولذلك فإن قراءة الدور القطري من زاوية لبنان كمثال تبدو قراءة ناقصة، فبالنسبة للدوحة لا يبدأ استقرار لبنان من جنوبه فقط، بل من المستوى الإقليمي كله، وكل تقدم في المسار الإيراني-الأميركي ينعكس على ساحات أخرى ومنها لبنان، والعكس صحيح أيضاً.

 

 

 

الوساطة قوة

 

في الغالب، الدول الصغيرة تاريخياً تعوض محدودية مواردها وقدراتها بالتحالف مع قوى إقليمية أو دولية كبرى، لكن التجربة القطرية من الواضح أنها مختلفة، فالوساطة بالنسبة إليها هي مصدر للنفوذ. ولا يعني هذا أنها تحولت إلى قوة إقليمية بالمعنى التقليدي، لكن ما تغير هو أن إدارة الأزمات أصبحت مورداً سياسياً لا يقل عن أدوات الردع، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي تعيش حالة استنزاف متواصل. من هنا يمكن فهم التقدير الذي توليه العواصم الغربية للدور القطري، فواشنطن تحتاج إلى قنوات موثوقة لنقل الرسائل إلى طهران أو غيرها، وإيران تحتاج أيضاً إلى طرف أو أطراف تحظى بثقة الأميركيين، والدول الأوروبية ترى في الوساطة القطرية فرصة للحفاظ على الحد الأدنى من الحوار بدل تصاعد دخان الحروب، خصوصاً أنها كانت أول من دفع ثمن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في ارتفاع أسعار النفط، أو في تلقي موجات الهجرة قبل ذلك.

 

لكن دور الوساطة القطري يبقى محاطاً بالتحديات، والوسيط الناجح هو من يحافظ على توازن دقيق في العلاقة بين الأطراف المتنازعة، وكلما ازدادت حدة الاستقطاب الإقليمي، وساد الاشتباك بين أطرافه، صعب على الوسيط المحافظة على المسافة الواحدة بين جميع الأطراف، خصوصاً إذا كانت مصالح الوسيط مهددة كما في حالة قطر، وهذا ما يجعل الدور القطري كمن يسير على حد السكين.

 

ربما لهذا السبب لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت قطر قد استطاعت أو تستطيع إيقاف حرب هنا، أو تسهيل مفاوضات هناك؟ بل ما إذا كانت المنطقة الشرق الوسط تتجه بكليتها نحو مرحلة يصبح فيها النفوذ الحقيقي هو القدرة على إدارة التوازنات أكثر من القدرة على فرضها. وهنا يأتي الدور القطري عاكساً لتحولات عميقة في طبيعة القوة في الشرق الأوسط، حيث تصبح الدبلوماسية هي الخط الدفاعي الأول والخير قبل أن يصم صوت المدافع الأذان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى