عودة الدولة إلى الجنوب: جولة نواف سلام رسالة ثقة للناس..

د.خالد العزي – مناشير
في خطوة تاريخية، قام رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بزيارة للمناطق الجنوبية على مدار يومين، وهي زيارة أثارت اهتمامًا كبيرًا، حيث اعتُبرت الجولة الأولى لرئيس حكومة أو رئيس جمهورية يخصص هذا الكم من الوقت والجهد لتلك المناطق الحدودية التي تعيش وضعًا صعبًا. لم تكن هذه الزيارة مجرد تحرك سياسي، بل جاءت لتعكس إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة بعد سنوات من تغييب السلطة الوطنية عن تلك المناطق، ما ترك المواطنين يشعرون بغياب الحماية والعدالة.
الاستقبال الشعبي في القرى الجنوبية
كانت الاستقبالات الحارة التي حظي بها دولة الرئيس في صور، وبنت جبيل في اليوم الأول، ثم في النبطية، مرجعيون، حاصبيا والعرقوب في اليوم الثاني، بمثابة رسالة تعكس حاجة الأهالي لعودة الدولة إليهم بعد سنوات طويلة من الحرمان. فعلى مدار العقود الماضية، كانت هذه المناطق مفصولة عن الدولة بسبب سيطرة جماعات مسلحة فرضت هيمنتها على الأرض في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ومع مرور الوقت، فشلت هذه الجماعات في تقديم الحماية الكافية للسكان أو في التصدي للتحديات الأمنية الكبرى، كما ثبت ذلك في ما يُعرف بـ “حرب الإسناد”، التي كشفت عن عجز هذه القوى في حماية الأراضي وتوفير الاستقرار.
الدولة فوق كل الاعتبارات
رغم الدعاية التي تروج لها بعض القوى بأنها هي من تحمي المنطقة، فإن الواقع كان مغايرًا تمامًا. فقد تسببت الحروب المستمرة في تدمير البنية التحتية للجنوب، بما في ذلك التهجير القسري للسكان، فضلاً عن تدمير المنازل. ومع ذلك، لم تتحرك هذه القوى لتأمين العودة الآمنة للمواطنين إلى منازلهم، ما دفع العديد منهم للمطالبة بعودة الدولة اللبنانية التي كانت غائبة عنهم. وكان التحدي الأكبر هو مواجهة إسرائيل التي كانت تعتبر المنطقة مفتوحة على جميع الاحتمالات ضد حزب الله، ما ترجمته العمليات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت المنشآت العسكرية، المباني السكنية، واغتيال الشخصيات، مما زاد من صعوبة الوضع الأمني في الجنوب.
الجولة تُجسد عودة الدولة إلى العمق
كانت جولة نواف سلام بمثابة إعلان عودة الدولة اللبنانية إلى الجنوب بعد سنوات طويلة من غياب السيادة. زيارة الرئيس بتاريخ 7-8 شباط الحالي والتي شملت صور، وطير حرفا، ويارين، ورميش، وبنت جبيل، أكدت الحاجة الماسة للسلطة الوطنية على الأرض في تلك المناطق. هذه الزيارة قد أظهرت موقف نواف سلام كحاكم صادق يعرف قدرات الدولة وحدودها، ويسعى جاهداً لاستعادة الثقة مع المواطنين في الجنوب.
وفي اليوم الثاني من الزيارة، توجه دولة الرئيس إلى سوق النبطية، كفركلا،مرجعيون، حاصبيا، والعرقوب حيث كان الاستقبال الشعبي حافلًا بالترحيب، ما عكس رغبة أهالي تلك المناطق في العودة إلى كنف الدولة بعد سنوات من الغياب والإهمال. هذا الاستقبال الحار كان بمثابة عودة سليمة للدولة، وتأكيد على الحاجة الملحة لأمن واستقرار يتجاوز الوجود العسكري غير المنظم الذي كان يهيمن على المنطقة.
واقع الجنوب والتحديات المتراكمة
لقد تعرضت هذه المناطق لعقود من الزمن إلى التهميش بسبب الحروب المستمرة والوجود العسكري غير المنظم. مع ذلك، فشل حزب الله في تقديم الحماية اللازمة للسكان، مما دفع المواطنين للمطالبة بعودة الدولة، خصوصًا بعد الهجمات المستمرة من العدو الإسرائيلي، والتعنت السياسي الإسرائيلي الذي كان يمنع عودة السكان إلى أراضيهم.
إن التصعيد الإسرائيلي المستمر، بالإضافة إلى عدم قدرة القوى المحلية على تقديم الحماية الكافية، جعل عودة الدولة مطلبًا أساسيًا. ومن هنا، جاءت زيارة نواف سلام لتجسد هذا المطلب الشعبي الملح، وتعكس رغبة المواطنين في استعادة السيادة الوطنية على أراضيهم.
دور الدولة اللبنانية في إعادة إعمار الجنوب
من جهة أخرى، فإن التحديات الاقتصادية والأمنية التي يواجهها الجنوب ليست مجرد تحديات محلية فحسب، بل إقليمية ودولية أيضًا. فإسرائيل لا تزال تضع العراقيل أمام إعادة إعمار المنطقة، سواء عبر التحفظات على الاتفاقات مع الدولة اللبنانية، أو عبر منع عودة المواطنين إلى مناطقهم. وقد وضع ذلك الدولة اللبنانية في موقف صعب أمام شركائها الإقليميين والدوليين الذين يصرون على تنفيذ الاتفاقات المبرمة، وفي مقدمتها إزالة سلاح حزب الله و بدء إعادة إعمار الجنوب.
وفي الختام، كانت جولة نواف سلام بمثابة رسالة قوية تؤكد أن الدولة اللبنانية عادت إلى الجنوب لتكون الحامي الأول للمواطنين. وقد أسهمت الزيارة في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين الذين لا يزالون يعانون من تبعات التهجير القسري والتدمير الذي لحق بمنازلهم بسبب الحروب. إن إعادة إعمار الجنوب وحمايته من جديد يتطلب تعاونًا داخليًا بين الحكومة والشعب، إضافة إلى دعم دولي لإعادة الحياة إلى هذه المناطق.
كانت الزيارة بمثابة إعلان عن إعادة السيادة اللبنانية على أرض الجنوب، وتأكيد على أن الدولة هي الوحيدة القادرة على حماية مواطنيها وتوفير الاستقرار لهم بعد سنوات من المعاناة. إن التحديات التي يواجهها الجنوب والجنوبيون اليوم تتطلب العمل المشترك بين الحكومة اللبنانية والشعب، وكذلك الدعم الدولي لضمان الاستقرار الدائم في المنطقة وتوفير الحماية للمواطنين.



