زياد الرحباني… يسدل ستار الحياة دون أن يغلق خشبة المسرح..!

اسامة القادري
أسدل زياد الرحباني، ابن الأسطورة، ستارة المشهد الأخير من مسرحيته الطويلة في الحياة، تاركًا وراءه خشبة لا تنطفئ، وصوتًا لا يخفت، ومدرسة فكرية لا تقفل أبوابها.
زياد، الذي لم يكن يومًا فنانًا عاديًا، اختار لنفسه خطًا شائكًا… لا يشبه سواه. لم يبحث عن تصفيق الجمهور، بل عن وخز ضمائرهم، تمرد منذ نعومة أظافره على القوالب، على النفاق، على الموروث، وعلى الابتذال، كان يشاكس بالكلمة واللحن، يضحكنا في عمق وجعنا، ويدوزن السخرية على أوتار وطنٍ ينهار بصمت.
هو ابن فيروز وعاصي، لكنه لم يعش في ظلهما، صنع لنفسه مجده الخاص، من نزل السرور إلى فيلم أميركي طويل، ومن “بالنسبة لبكرا شو؟” إلى “عودك رنان” و”سلملي عليه” و”دلوني عالعينين السود”. أعمال كانت مرايا ساخرة لوطن متشظٍّ، وصوتًا ناقدًا لعصر عربي مأزوم.
زياد لم يكن مؤلفًا فقط، بل مهندس لغة، جمع بين الحارة والمسرح، بين القهوة الشعبية والبيانو، بين غبار الحرب وهمسات العشاق، كان ابن الشارع والطبقة المثقفة معًا، لا يعرف التصنّع، ولا يهوى المجاملة.
في زمنٍ ساد فيه الصمت، قال زياد ما يجب أن يُقال… وبأعلى صوت.
واليوم، حين نرثيه، لا نرثي جسدًا غادر، بل زمنًا من الجرأة، من النكتة السوداء، من الصدق الفنّي، من عدم الاجابة على أسئلته “بالنسبة لبكرا شو؟”، و “هاي بلد، لأ مش بلد، هاي قرطة عالم مجموعين… مجموعين ….لأ مطروحين… لأ مضروبين لأ.. مقسومين قوم فوت نام وصير حلام.. ؟ فكان الحلم الطريق المختصر للاجابة..
نودّع العبقري الذي زرع الضحكة في قلوبنا وسط ركام الحرب، وعلّمنا أن نقول “لا”، بصوتٍ عالٍ، موسيقيّ النبرة.
بغيابه، يسقط جبلٌ جديد من جبال لبنان، بعد رحيل وديع الصافي وصباح وعاصي ومن سبقوه.
لكن ما يخفف ألم الفقد أن زياد لا يموت.
سيبقى في جملة مسرحية نرددها كل صباح،
في لحنٍ يعزف وحده وجع الوطن،
وفي سطرٍ جريءٍ لم يجرؤ غيره على كتابته.
وداعًا زياد… يا من علمتنا أن لا نخضع، ولا نُخضِع.



