
بعد عام على انتخابه، يواجه اتحاد بلديات السهل في البقاع الغربي تحديات مالية وإدارية كبيرة تحدّ من قدرته على تنفيذ المشاريع وتلبية حاجات البلديات والأهالي، في ظل غياب التمويل المنتظم وتراكم الديون، فيما يحاول الاتحاد تعويض جزء من هذا النقص عبر التواصل مع الجمعيات والمنظمات، إلى جانب خطوات إدارية وإنمائية أبرزها إنشاء مكتب فني يتولى معاملات البناء ومنح الرخص وفق الأصول والشروط المطلوبة.
رئيس اتحاد بلديات السهل محمد المجذوب، وفي حديث خاص لـ«مناشير» عن حصيلة عام على انتخابه، يؤكد أن الاتحاد «مستقل وحركته دائمة»، مشيراً إلى أن مبنى الاتحاد، الذي بدأ العمل على إنشائه عام 2014 وافتُتح عام 2016، يشكل أحد أبرز إنجازاته، وهو مبنى تبلغ مساحته نحو ثلاثة آلاف متر مربع.
لكن هذا الإنجاز، بحسب المجذوب، لا يحجب الأزمة التي تعصف بالعمل البلدي، وفي مقدمها أزمة التمويل. ويقول إن الاتحادات البلدية حُرمت من حقوقها المالية، رغم مراجعات قام بها رؤساء الاتحادات والبلديات لدى المعنيين ووزير الداخلية والبلديات للمطالبة بالمستحقات.
ويشرح أن البلديات باتت عاجزة عن تلبية قسم كبير من حاجات الناس، بعدما أصبحت المطالب أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة، قائلاً: «الناس تطلب منا كل شيء ولسنا قادرين على عمل أي شيء، لأنه لا توجد في الاتحاد ميزانية، ولا أموال في الصندوق البلدي المستقل».
وبحسب المجذوب، لا تتوافر للاتحاد مداخيل فعلية إلا من الأموال المحولة عبر وزارة الطاقة، والتي لا تتجاوز سنوياً نحو 40 ألف دولار، في حين تتخطى رواتب الموظفين والمصاريف أربعة آلاف دولار شهرياً.
ويشير إلى أن الأزمة المالية انعكست حتى على دوام العمل، إذ اضطر الاتحاد إلى فتح أبوابه ثلاثة أيام في الأسبوع فقط، فيما يصبح الدوام أكثر محدودية خلال فصل الشتاء بسبب ارتفاع كلفة التدفئة وعدم القدرة على تشغيل أجهزة التدفئة بصورة مستمرة.
الجمعيات.. البديل القسري عن غياب التمويل
أمام هذا الواقع، لجأ الاتحاد إلى تكثيف التواصل مع الجمعيات والمنظمات بهدف تأمين مشاريع إنمائية للبلديات، بعدما أصبحت هذه الجهات أحد أبرز مصادر التمويل المتاحة.
إلا أن هذا المسار بدأ يتراجع، وفق المجذوب، مع سقوط النظام السوري وبدء عودة النازحين السوريين، الأمر الذي انعكس على عمل المنظمات الدولية والجمعيات في لبنان، بعدما بدأت تقليص حضورها ومشاريعها في المجتمعات المضيفة، وصولاً إلى إقفال عدد من فروعها وصرف موظفين.
ويشير إلى أن البلديات في البقاع الغربي، ولا سيما بلدية غزة، واجهت في المقابل تحدياً جديداً تمثل بالنزوح الداخلي الناتج من العدوان الإسرائيلي على قرى الجنوب والبقاع الغربي.
النزوح الداخلي.. «فتحنا بيوتنا ومراكزنا»
ويؤكد المجذوب أن قرى وبلديات السهل فتحت أبوابها أمام النازحين واستقبلتهم «بصدر رحب»، رغم محدودية الإمكانات، وبالتعاون بين البلديات والأهالي ومجلس الجنوب وحزب الله.
ويصف مرحلة النزوح بأنها من أصعب الظروف التي مرت بها المنطقة، مشدداً على أن التعاطي مع النازحين تم «بكل احترام ومحافظة على كرامات الناس»، ومن دون تسجيل إشكالات تذكر.
ويضيف أنه تابع شخصياً أوضاع النازحين واحتياجاتهم، مشيراً إلى أن غالبية النازحين عادت بعد وقف إطلاق النار، فيما لا يزال قسم منهم في المنطقة، ولا سيما من استأجروا منازل تحسباً لأي طارئ، إضافة إلى عشرات العائلات التي دُمرت منازلها خلال الحرب.
450 مليون دولار ديون.. والبلديات «مُشحّرة»
ويعتبر المجذوب أن الأزمة المالية للبلديات والاتحادات لم تعد تحتمل التأجيل، محذراً من تداعيات استمرارها.
ويكشف أنه أبلغ وزير الداخلية بأن البلديات «مُشحّرة»، قبل أن تتفاجأ البلديات، بحسب قوله، بأن إجمالي ديونها يبلغ نحو 450 مليون دولار.
ويشير إلى أن الاتحادات أكثر هشاشة مالياً من البلديات، لكونها لا تمتلك مصادر جباية مباشرة من المواطنين، فيما تعتمد بشكل أساسي على المستحقات والتحويلات المالية الرسمية.
ورغم ذلك، تمكنت البلديات من تنفيذ عدد من المشاريع بالحد الأدنى من الإمكانات، من خلال التواصل مع الجمعيات والمنظمات وتأمين مشاريع عبرها، إلا أن هذا المصدر تراجع بشكل كبير بعد تقليص المنظمات الدولية حضورها في المنطقة.
مكتب فني في الاتحاد.. ورخص البناء من دون العودة إلى التنظيم المدني
وفي مقابل الأزمة المالية، يكشف المجذوب عن خطوة يعتبرها من أبرز التطورات التي تحققت خلال المرحلة الأخيرة، وتتمثل بإنشاء مكتب فني تابع لاتحاد بلديات السهل.
ويقول إن الاتحاد، من خلال التواصل مع وزير الداخلية، حصل على قرار بفتح مكتب فني استناداً إلى الصلاحيات التي يتيحها النظام الداخلي، على أن يتولى المكتب معالجة معاملات البناء ومنح رخص البناء وفق الشروط والمواصفات المطلوبة.
ويؤكد أن المكتب سيشكل خطوة مهمة لتسهيل معاملات المواطنين، ولا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى البناء وإعادة الإعمار، مشيراً إلى أن استكمال العمل يتطلب تشكيل لجنة فاحصة للمهندسين تمهيداً لتعيين ثلاثة مهندسين، إضافة إلى مستشارين يعملون إلى جانبهم.
ويلفت إلى أن القرار أصبح لدى المحافظ لاستكمال الإجراءات المطلوبة، مؤكداً أن «اتحاد بلديات السهل هو الوحيد في البقاع الذي لديه الحق في إنشاء مكتب فني».
ويرى أن هذه الخطوة من شأنها تخفيف الأعباء عن المواطنين وتسريع معاملات البناء، خصوصاً في المرحلة المقبلة التي يُتوقع أن تشهد حركة واسعة في ملف إعادة إعمار المنازل المتضررة.
«اتحادنا جسم واحد».. لكن المال يعطل كل شيء
ويشدد المجذوب على أن رؤساء البلديات المنضوين في الاتحاد يعملون كجسم واحد، وأن القرارات تُتخذ بمشاركة الجميع، في ظل تعاون لتسيير العمل رغم الظروف الصعبة.
ويختصر المشكلة الأساسية التي تواجه الاتحاد والبلديات بـ«الأزمة المالية»، قائلاً: «المال هو عصب الحياة وعصب أي عمل بلدي».
ويؤكد أن البلديات لا تزال «في بوز المدفع»، وتعمل بإمكانات محدودة جداً في مواجهة حاجات الناس المتزايدة، داعياً إلى صرف المستحقات المالية وفق التسعيرة الحالية، لأن استمرار اعتماد التسعيرات القديمة يعني، بحسب رأيه، إبقاء البلديات في دائرة العجز.
ويحذر من أن استمرار الوضع الحالي، مع تراكم الديون وتأخر المستحقات، قد يقود إلى «كارثة كبيرة»، خصوصاً أن عدداً كبيراً من البلديات يعاني أصلاً من الديون.
50 ألف طن من الزفت خلال أربع سنوات
ويلفت المجذوب إلى حجم الأعباء المتراكمة على الاتحاد، مشيراً إلى أنه يعاني منذ سنوات من الديون، التي يذهب جزء كبير منها إلى الموظفين، فيما يشير إلى أن الاتحاد نفذ خلال السنوات الأربع الماضية أعمال تزفيت بلغت نحو 50 ألف طن من الزفت في قرى البقاع الغربي.
ويختم بالتأكيد أن البلديات «لا تزال عاضّة على الجرح»، بانتظار معالجة أزمة التمويل وتأمين حقوقها في الصندوق البلدي المستقل.
وبين غياب الأموال وتراجع مشاريع الجمعيات والمنظمات، يجد اتحاد بلديات السهل نفسه أمام معادلة صعبة: مسؤوليات تتسع، وحاجات تتزايد، وإمكانات تتقلص. وفي المقابل، يحاول الاتحاد فتح مسارات جديدة، من بينها المكتب الفني، لتخفيف الأعباء عن المواطنين والحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على العمل.
فالمشكلة، كما يختصرها المجذوب، لم تعد في غياب المشاريع فقط، بل في غياب القدرة على تنفيذها، بعدما أصبحت البلديات مطالبة بتأمين كل شيء تقريباً، فيما حقوقها المالية لا تزال عالقة.




