خطاب الفتنة… نهج ميليشياوي يقصي ثلثي الشعب اللبناني
جميل الحسيني
يبدو أنّ حمّى الانتخابات النيابية أصابت مبكراً كثيراً من “الرؤوس السيادية” في لبنان، ورفعت منسوب التوتّر إلى درجة الغليان، فبدأت تنفلت تصريحات تعيد البلاد إلى مرحلة ما قبل نشوء السلطة السياسية الحديثة، إلى زمن ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين وزّع الانتداب الأجنبي الصلاحيات والامتيازات وفرض على اللبنانيين تمثيلاً مفروضاً ومعايير طبقية مصطنعة بهوس استعماري واضح.
وهذا الهوس يبدو أنه تجدد بعد الحرب الأخيرة على لبنان في أيلول 2024، إذ يتوهّم الفريق نفسه – ذاك الذي اعتاد الامتيازات – أنه استعاد الفرصة لإعادة رسم السلطة وفق منظومة جديدة يرى أنها تسمح له بتنفيذ انقلاب شامل على الكيان اللبناني، وصولاً إلى تسليم مقاليد الحكم إلى مكوّن لطالما نادى بالفدرلة. لكن هذه المرة، في نظره، لم تعد هناك حاجة للتقسيم، طالما أن العزل والإلغاء أصبحا متاحَين بغطاء الحرب والتدخلات الخارجية.
ومع الوقت، بدأت تتكشف ملامح هذه المرحلة على ألسنة بعض الناطقين بالدعاية الانتخابية لذلك الفريق، وآخرهم النائب عن القوات اللبنانية جورج عقيص الذي أفصح بتصريح مستفز عمّا يختزنه هذا الخط السياسي. ففي حديث تلفزيوني عن المرشح السنّي في زحلة قال:
“البيئة السنّية في زحلة تزخر بالكفاءات، لكن أهم شيء… أن يكون شريكاً معنا على المائدة السياسية في معراب”،
ثم استدرك:
“والشيعي أيضاً… إذا ربح الشيعي!”
هذا الخطاب وقع كـ**”لسعة سامة”** أثارت غضب الناس، وخصوصاً 65 ألف ناخب سنّي في زحلة، الذين آثروا الصمت حرصاً على استقرار بلد تحاصره التهديدات، بينما تتكاثر المخاوف من مخططات فريق يراهن على الخارج لفرض خريطته السياسية على اللبنانيين، وربما لإعادة إنتاج تقسيمات طائفية ومذهبية إذا وجد إليها سبيلاً.
ويبدو أن سمير جعجع استعجل مسعاه للتنمّر والاستئثار، فوقع في فخ نواياه، وهو الذي لطالما أسهم في ضرب النسيج الوطني، وروّج لنظرية زعامته على السنّة بعد أن انقلب على حليفه الرئيس سعد الحريري وسعى لإبعاده عن الساحة، ظناً منه أنه سيتمكّن من الاستفراد بالقرار السنّي. غير أن السنّة في لبنان، وفي البقاع تحديداً، لم يكونوا يوماً تابعين لحزب يقوم خطابه على الفرز الطائفي، بل كانوا أساساً في بناء الدولة اللبنانية والانتماء الوطني والعروبي.
وما عبّر عنه عقيص من غرور يعكس ذهنية مرجعيته الميليشياوية، وهو ما أشار إليه النائب حسن مراد بقوله إن عقيص “يعتقد أن السنّة بلا مرجعية”. وزاد عقيص الطين بِلّة حين حاول تبرير تصريحه، فقال إن السنّة والشيعة على لوائح القوات في 2026 سيكونون “شركاء سياديين إصلاحيين لبناء دولة خالية من السلاح والفساد”. فبدلاً من إصلاح الخطأ، وسّع دائرة الإلغاء لتشمل الشيعة أيضاً.
وفي مثال آخر على الذهنية نفسها، خرج فارس سعيد بخطاب إقصائي جديد، حين قال:
“بشيل سلاحك وبخلّي معك 27 نائب تستعملن كسلاح دستوري وطائفي ومذهبي للوصول إلى مجلس النواب…”
قبل أن يتدخل المحاور بقوله:
“يعني لم تعد القصة قصة سلاح فقط؟”
فيرد سعيد:
“طبعاً… وبدي حاصرك مالياً وسياسياً وانتخابياً…”




