حصاد مئتي يوم في الجبهة الجنوبية..: انها حرب حقيقية

خاص مناشير
حصاد مئتي يوم من حرب فعلية عند الجبهة الجنوبية، “نصرة المقاومة اللبنانية لقطاع غزة”، والوقوف عند حقيقة المشهد الذي بدى فعلياً شللًا تامًا أصاب شمال الكيان الصهيوني، وهذا ما عكسته وسائل إعلام إسرائيلية وعبّرت عنه تصريحات قادة الاحتلال التي فضحت عجز جيشها في الميدان والوضع الكارثي لمستعمرات الجليل ومعظم الشمال الفلسطيني، جراء تهجّر مستوطنيها وتعطّل المرافق الاقتصادية كافة بفعل ضربات المقاومة.

الخبير في شؤون الأمن القومي الإسرائيلي العقيد كوبي ماروم اختصر، مؤخرًا، ما يجري عند الحدود اللبنانية – الإسرائيلية بالقول: “إسرائيل تواجه مأزقًا استراتيجيًا من الصعب الخلاص منه إلا بوقف الجبهة، خسرت الشمال، وإنجاز حزب الله هائل على مستوى الوعي، ومجتمعات ومستوطنات ومدن الشمال تتفكّك؛ حيث أصبح رؤساء المجالس يقفون كالمتسوّلين على باب وزير المالية”. أما المعلّق العسكري في قناة “كان” الإسرائيلية، فقد رأى أنه: “بعد 200 يوم من حرب حقيقية، إسرائيل تعاني مأزقًا في مجمل الساحات، ومن ضمنها جبهة لبنان، حيث فُشل تمامًا في فك الارتباط بينها وبين جبهة غزة، أو في فرض وقائع ميدانية في جنوب الليطاني بهدف تقييد العمليات وردعها”.
الجيش الإسرائيلي، كعادته وفي كل حرب، يقلّل من انجازات خصمه ويُعظّم من قدراته، علّه يَحُطّ عزيمته على القتال. وهذ ما حصل بالفعل في لبنان؛ حيث سخّف العدو من فتح جبهة الجنوب متوعدًا بسحقها. ولكن بعد مئتي يوم، تبيّن أن هذه الجبهة ألحقت أشد الأذى به وجرّته الى معركة قاسية ومؤلمة، يتكبّد فيها يومًا بعد آخر خسائر جسيمة على المستويات كافة. ومما لا مفر منه ان المقاومة نجحت بفرض وقائع ميدانية في شمال فلسطين المحتلة، بكل ما تحمله من أبعاد ومفاعيل ردعية وعملياتية.
فالترجمة الميدانية لهذا الواقع هو مأزق عسكري في الميدان تمظهر عملياتيًا وردعيًا. فمن الناحية الردعية، أصرّت المقاومة منذ البداية على نصرة غزة بتحدّيها لكل الضغوط الدولية لمنع فك ارتباط الجبهتين. ومع أن الأميركيين والأوروبيين كثّفوا حراكهم الدبلوماسي باتجاه لبنان، وبعثوا برسائل تّهويل وتهديد تؤكد شنّ “إسرائيل” حرب طاحنة عليه إن لم تتوقف جبهته، إلا أن ذلك لم يثنِ المقاومة عن مواصلة القتال، ما بدّد رهانات العدو على إمكان إخضاع لبنان ومقاومته على وقع الحرب التدميرية في غزة، مع تلمّس مدى تصميم هذه المقاومة على مواجهة أي عدوان أيًا تكن التضحيات. وهذا ما رسّخ حضور المقاومة وقدراتها في حسابات جهات التقدير والقرار في “تل أبيب”.
كما أن الرأي العام الصهيوني بدأ يتغير وينقلب على قادته أيضًا، فبعد تأييده لتوجيه ضربة عسكرية للبنان وسحق مقاومته، بدأ يطالب بتوقيف الهجوم على غزة وإنهاء حرب الشمال فورًا. كذلك مواقف الغربيين تبدلت، فواشنطن التي كانت شريكًا تامًا لـ”تل أبيب”، التمست أن الإسرائيلي لم يحقّق الإنجازات الاستراتيجية التي كانت تتوقعها منه في الساحتين اللبنانية والفلسطينية، وهذا ما جعل الإسرائيلي يعيد تقويماته وحساباته قبل بدء الهجوم على مدينة رفح.
اما على المستوى العملياتي، انطوى رد المقاومة في هدفه ومكانه وسياقه وأسلوبه، على رسائل عدة وفي اتجاهات متعددة. ومع أن مؤسستَي القرار السياسي والعسكري لكيان العدو حاولتا مرارًا التخفيف من وقع قساوة الجبهة الشمالية عليهم، إلا أنّ مجريات الأمور لا توحي بذلك. إذ إنّ آليات العدو قلّلت من تحركاتها وتحصّنت خلف السواتر، الجنود أخذوا من الأبنية المدنية نقاطًا لهم من الصعب رُؤيتهم، ولا يتجرأون على تجاوز الحدود البرية، شلل اقتصادي تام يصيب المستوطنات التي أصبحت منطقة أشباح بفعل النزوح، خسائر في عدد المستوطنين والعتاد والأبنية، بالإضافة الى استنزاف قدرات العدو عبر إشغال عدد من ألويته لمنعها من المشاركة في حرب غزة.
وبحسب الاعلام العسكرب للمقاومة الاسلامية اللبنانية أن عمليات المقاومة على مستوى الاستهدافات بلغت 1650عملية عسكرية، طالت 186 مستوطنة، و1112 موقعًا حدوديًا، و55 موقعًا خلفيًا، 176 نقطة حدودية، 51 استهدافًا جويًا، و70 استهدافًا لقواعد عسكرية. أما خسائر العدو المادية؛ فكانت 344 دشمة وتحصينًا، 328 تجهيزًا فنيًا، 722 وحدة استيطانية مدمرة، 33 مربض مدفعية، 5 منصات قبة حديدة، بالإضافة الى سقوط 2000 ضابط وجندي بين قتيل وجريح. أما على صعيد الجبهة الداخلية، فهناك 230 ألف مستوطن مهجّر، 43 مستوطنة مُهجرة، 15 كلم عمق الاستهداف، 5 كلم شعاع منطقة التّهجير.
في الخلاصة، جعلت المقاومة الشمال الفلسطيني منطقة حزام أمني لجيش العدو، بعد أن كان في الجنوب اللبناني قبل العام 2000، وحوّلته إلى ساحة استنزاف أمني واقتصادي واجتماعي، الأمر الذي دفع 40% من قاطني المستوطنات فيه إلى الإعلان أنهم لا يعتزمون العودة إليها. في المقابل وضعت المقاومة قادة الاحتلال في مأزق لخلاصهم من الحرب وعدم التفكير بمهاجمة غزة.



