مقالات

حزب /الله ومأزق البنية والوظيفة بين إدعاء القوة وحدود القدرة

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

حزب /الله ومأزق البنية والوظيفة بين إدعاء القوة وحدود القدرة

زكـي طـه في بيروت الحرية

لا يخوض حزب الله، في المرحلة الراهنة، مواجهة تقليدية حول سلاحه فحسب، بل يدرك أنه يواجه معركة مفتوحة تُعدّ الأكثر تعقيدًا منذ تأسيسه، لأنها تمثّل تحدياً بنيوياً يتعلق بشرعية حضوره ووظيفته ودوره في الداخل اللبناني وعلى الصعيد الإقليمي. فالصراع القائم يتجاوز مسألة جنوب الليطاني أو تطبيق القرارات الدولية، ليطال سؤال القدرة على الاستمرار كقوة تتجاوز الدولة وتسعى إلى الوصاية عليها، وتشاركها في صياغة قراراتها وتحديد دورها وسياساتها، في لحظة إقليمية ودولية تعيد تعريف أدوات النفوذ ومعايير الشرعية.

الحصار وتناقضات الخطاب

يدرك الحزب أن دائرة خصومه لم تعد محصورة بقوى سياسية بعينها، بل اتسعت لتشمل مؤسسات دستورية، وأطرافًا محلية وجهات دولية استفادت من التحولات السياسية والأمنية، إضافة إلى شرائح اجتماعية متنامية في الداخل اللبناني. وهو يعي أيضاً، بأن أكثرية خصومه لا يخفون سعيهم لتصفية حساباتهم الطويلة معه، ما يجعل المواجهة التي يخوضها ذات طابع شامل: سياسي، اقتصادي، أمني، ومعنوي.

ولقد كشفت المواجهات السياسية الأخيرة، سواء في أعقاب اعلان قيادة الجيش عن انجاز المرحلة الأولى من حصر السلاح جنوبي الليطاني، وبدء التحضير للمرحلة الثانية التي تشمل سائر المناطق، أو خلال جلسات إقرار الموازنة العامة، بأن مسار حصر السلاح لم يعد إجراءً ظرفياً أو تفاوضياً، بل بات خياراً بنيوياً ملزماً للدولة اللبنانية. هذا ما أكده كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مشيرين إلى أن ما تحقق جنوب الليطاني ليس سوى مرحلة أولى في مسار متكامل قيد الاستكمال.

وفي هذا السياق، يواجه الحزب محاولات تطويقه وعزله سياسياً واقتصادياً، بهدف دفعه إلى الاقتناع بأن الرهان على الاحتفاظ بترسانته العسكرية لم يعد ممكناً، وأن الاوضاع الداخلية والاقليمية لم تعد تسمح بازدواجية السلاح والقرار.

ورغم اعتراف قيادة حزب الله بصعوبة مواجهة الضغوط المتزايدة، داخلياً وخارجياً، لكنها تكرر أنها ليست في وارد الاستسلام. وللتغطية تعتمد لغة مزدوجة تقوم، من جهة، على تأكيد الالتزام ببناء الدولة، وأنها شاركت في انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة. ومن جهة أخرى تستمر في رفع سقف المواجهة والتشديد على أن المعركة طويلة، وأن الحزب ماضٍ في معركة الدفاع عن حضوره ودوره وسلاحه.

من الواضح أن خطاب قيادة الحزب لا يعكس تحولاً استراتيجياً بقدر ما يشكّل أداة، أو وسيلة دفاعية غايتها احتواء المشهد وامتصاص الضغوط وكسب الوقت، في محاولة منها لإعادة إنتاج شرعيته المحاصرة والمأزومة في آن. أما مطالبة الدولة القيام بواجباتها في ميداني استعادة السيادة وإعادة الإعمار، فلا تترافق مع القبول باحتكارها للسلاح ولقرار السلم والحرب. ولا يرى الحزب في هذا التناقض بين الانخراط اللفظي والامتناع العملي أي مشكلة.

وفي السياق يحاول الحزب إعادة تعريف مقاومته الموعودة، لتشمل حركة أمل وقوى حزبية وإسلامية أخرى، في محاولة لتعويض تراجع حاضنته السياسية. لكن هذا التعريف يصطدم بواقع داخلي متغير. فشعار مقاومة العدو لم يعد يصلح لتحشيد تلك القوى في ضوء نتائج الحرب، إن على صعيد الخسائر البشرية الباهظة أو لناحية الأكلاف الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة، فضلًا عن السيطرة الاسرائيلية العسكرية والامنية القائمة، والخلل الفادح في ميزان القوى.

في موازاة ذلك، يقدّم الحزب ما يشبه خطوطًا عريضة لخريطة طريق مستقبلية تنطلق من رؤية تدعي الحرص على الحوار، وعلى تعزيز الاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق كان تبرير تصويت كتلته النيابية لمصلحة الموازنة، بأنها تمهّد لإعادة الإعمار، وتاكيد ادعاء الحرص على وحدة الثنائي الشيعي عشية الانتخابات النيابية، بعد إطلاق ورشة التحضير للمشاركة فيها تأكيدًا على حضوره الشعبي.

القلق البنيوي وخطر الحرب

صحيح أن المسار الداخلي الذي بدأ قبل عام، مع خطاب القسم والبيان الوزاري، والقاضي بحصر السلاح بيد الدولة، وانتشار الجيش شمال نهر الليطاني، إضافة إلى محاولات محاصرة مصادر وآليات تمويل الحزب، يشكّل بمجمله إطارًا متكاملًا لإعادة هندسة ميزان القوى الداخلي.

والصحيح أيضاً أن أكثرية خصوم الحزب في الداخل والخارج يعملون على تفكيك بنيته السياسية والمالية، انطلاقًا من قناعة بأن إضعافه مرحلياً، قد يفتح الباب أمام اجتثاثه لاحقاً، عبر تعطيل ما يمتلكه من ديناميات تسمح له بإعادة إنتاج نفسه.

من المؤكد أن الضغط البنيوي لا يستهدف الحزب عسكرياً فقط، بل محاولة تفكيك شبكاته المالية والاجتماعية، وتطويقه لإضعاف قدرته على المناورة.

ويتجلّى القلق البنيوي للحزب في التناقض الصارخ بين الدعوة إلى الحوار والمطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية من جهة، اطلاق التهديدات والتلويح بالحرب من جهة أخرى. وهذا التناقض لا يُقرأ كارتباك تكتيكي، بل كمؤشر على مأزق استراتيجي ناجم عن تضارب الأولويات بين الداخل اللبناني والسياق الإقليمي.

هكذا يجد الحزب نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغط دولي على الدولة اللبنانية لتسليم السلاح، وضغط من الراعي الإقليمي للاستمرار في المواجهة، وضغط داخلي من خصوم الداخل الذي يحلمون بتصفية الحسابات معه، ومن بيئة منقسمة على ذاتها، بين الالتزام بالقرار الحزبي والخوف من حرب عبثية جديدة، في ظل قناعة متنامية لدى أكثريتها، بأنه لا إعادة إعمار ولا عودة للنازحين قبل تسليم السلاح.

ولذلك يزداد تناقض الخطاب حدّة مع توجيه الاتهامات بالعمالة لخصومه في الداخل، في محاولة من قيادته لنقل المواجهة من مستوى سياسي إلى مستوى تخويني يهدد السلم الأهلي.

ولأن مسارات أوضاع المنطقة بأسرها واستكمال إعادة ترتيبها في ضوء نتائج الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية المفتوحة، معلّقة راهناً على إيقاع المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في عُمان، وما يرافقها من حشود عسكرية أميركية واستعدادات إسرائيلية واستنفار إيراني، تتزايد المخاوف من فشل الحل الدبلوماسي والانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يكون لبنان إحدى ساحاتها الأساسية.

فنجاح المفاوضات أو فشلها سيغيّر وجه المنطقة، من لبنان إلى العراق واليمن، فيما يبقى الحزب عالقًا بين خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة عسكرية مدمرة، أو تسوية داخلية تقود إلى إعادة تموضعه بعد تقويض دوره وسلاحه.

أزمة وظيفة وشرعية وموقع

وفي المحصلة، يبدو حزب الله عاجزًا عن التوفيق بين ادعاء الحرص على لبنان وبيئته، وبين الاستمرار في نهج ممانعة غير محسوبة الكلفة. ولذلك هو يواجه صعوبة فك ارتباطه بالخارج الاقليمي وإعادة التموضع في الداخل.

وفي هذا السياق يُقرأ تناقض خطاب التصعيد الذي يجدّد تثبيت دوره كورقة ضغط إقليمي تُستخدم عند الحاجة، والتلويح بحرب إسناد لإيران، التي تسارع إلى التفاوض مع واشنطن لمنع الحرب والاتفاق. في المقابل تسعى قيادة الحزب إلى ترميم العلاقة مع رئاسة الجمهورية، وتؤكد على استمرار التواصل معها، في موازاة التطبيع مع رئيس الحكومة ومواكبة جولته الجنوبية التي حملت عنوان بدء مسيرة الاعمار..

كل المؤشرات تؤكد أن أحكام الموقع الانتظاري تبقي الحزب معلّقًا بين خيارين: التصعيد لتحسين شروط المقايضات بين طهران وواشنطن، أو الانكفاء القسري في حال نضوج تسوية تتطلب تفكيك أذرع النفوذ الايراني في الإقليم. وفي السياق ليس مستغرباً أن يبحث الحزب عن ضمانات الموقع في السلطة، ولا مفاجئاً الحديث عن رسالة تبلغتها واشنطن تتضمن استعداد الحزب لتسليم ما لديه من مسيّرات وصواريخ واسلحة ثقيلة، مقابل وقف العمليات العدائية.

ورغم تقديم حزب الله لنفسه بأنه يخوض معركة وجودية ذات بعد ديني ومذهبي في مواجهة مشروع إلغائي، فإن خطابه يخفي في عمقه مأزقًا بنيويًا أعمق: أزمة وظيفة، وأزمة شرعية، وأزمة موقع. علماً أن استمرار الارتباط بالخارج ورفض إعادة التموضع وطنيًا يجعلان الحزب والدولة معاً عرضة لتداعيات التحولات الإقليمية، وأن المرحلة الراهنة كشفت بأن وظيفة الحزب الإقليمية لم تعد تتطابق مع حاجات الداخل اللبناني. وأن عدوانية إسرائيل المفتوحة والمفاوضات غير مضمونة النتائج، يشيران على نحو لا يحتمل إلى الالتباس بأن لبنان، كما حزب الله، لن يكونا بمنأى عن ارتدادات اللحظة الإقليمية، ما لم يجرِ التسليم والقبول ببناء المعادلة الداخلية على أسس قيام الدولة ومؤسساتها، والتخلي عن منطق القوة الموازية قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى