“القوات” تُطيح بـ”صقورها”… تجديد دم أم إعادة ضبط إيقاع؟
“القوات” تُطيح بـ”صقورها”… تجديد دم أم إعادة ضبط إيقاع؟

مناشير
لم يعد قرار النائب ملحم رياشي عدم الترشّح تفصيلًا عابرًا في روزنامة الاستحقاق النيابي، بل تحوّل إلى مؤشّر سياسي يُضاف إلى سلسلة قرارات مشابهة داخل حزب “القوات اللبنانية”، ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة المرحلة التي يستعدّ لها الحزب، وحول ما إذا كان أمام إعادة تموضع مدروسة أم إعادة هيكلة اضطرارية لبيته الداخلي.
إعلان رياشي، الذي أتى بعد إبلاغه من القيادة بـ”الرغبة في بعض التغيير هذه الدورة”، حمل نبرة انضباط حزبي واضحة، لكنّه لم يخلُ من رسائل سياسية مبطّنة. فالنائب الذي شدّد على أنّ قراره لا يرتبط بتراجع شعبي، بل ذكّر بـ”الرقم الاستثنائي جدًا جدًا” الذي حقّقه، بدا كمن يحرص على تثبيت رصيده السياسي قبل مغادرة السباق، واضعًا القرار في إطار تنظيمي لا شخصي.
غير أنّ أهمية الخطوة لا تنفصل عن السياق الأوسع. فقبل رياشي، أعلن النائبان سعيد الأسمر وجورج عقيص عزوفهما عن الترشّح، ما يعني أنّ ثلاثة نواب بارزين من تكتل “الجمهورية القوية” خرجوا من السباق خلال أيام معدودة. هذا التزامن يشي بأنّ الأمر يتجاوز خيارات فردية، ليعكس توجّهًا مركزيًا بإعادة تشكيل المشهد القواتي النيابي.
السؤال هنا: هل نحن أمام عملية “تدوير زوايا” استعدادًا لتحالفات جديدة؟ أم محاولة لامتصاص تبدّلات المزاج الانتخابي عبر ضخّ وجوه مختلفة؟ أم أنّ الحزب يسعى إلى تجديد خطابه وأدواته في مواجهة مرحلة سياسية أكثر تعقيدًا؟
في المتن الشمالي، تبدو الصورة أكثر حساسية. فالدائرة تشهد تنافسًا عالي السقف، وتوازنات دقيقة، وغياب رياشي – بما يملكه من حضور سياسي وإعلامي – يفرض على الحزب تحدّيًا مضاعفًا: اختيار بديل قادر على الحفاظ على الكتلة التصويتية نفسها، ومنع أيّ تسرّب في الأصوات التفضيلية.
تصرّ “القوات اللبنانية” على توصيف ما يجري بـ”التجديد لا الانسحاب”، لكنّ الامتحان الفعلي لن يكون في البيانات، بل في صناديق الاقتراع. فإذا نجحت في تحويل هذا التغيير إلى دينامية انتخابية جديدة، تكون قد قدّمت نموذجًا حزبيًا في التداول الداخلي المنظّم. أمّا إذا انعكس الأمر تراجعًا في الحضور النيابي، فستُفتح أبواب التأويل على مصراعيها حول كلفة “إسقاط الصقور” في لحظة سياسية دقيقة.
في المحصلة، ما يجري داخل “القوات” ليس تفصيلًا تنظيميًا، بل مؤشر إلى مرحلة إعادة رسم أدوار داخل الحزب نفسه، وربما إلى إعادة تعريف أولويات المواجهة في البرلمان المقبل. والجواب النهائي سيكتبه الناخبون.



