العبث في الأمن السوري: خط أحمر يهدد الاستقرار الإقليمي – خالد العزي

د.خالد العزي
في تطور مفاجئ يعكس تصاعد التوترات السياسية في المنطقة، أعلنت وزارة الداخلية السورية في 10 أبريل 2026 عن اتهام الحزب اللبناني بمحاولة اغتيال الحاخام اليهودي ميخائيل حوري في قلب دمشق. هذا الاتهام أتى ليزيد من تعقيد الوضع الإقليمي، خاصة في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط حالة من الاستقرار النسبي بعد سنوات من الصراع. ولم تمضِ ساعات على البيان الرسمي، حتى أصدر الحزب اللبناني ردًا نافيًا لهذه الاتهامات، واصفًا إياها بأنها “مفبركة وكاذبة”. وأضاف الحزب في بيانه أنه “لا يمتلك أي تواجد أو نشاط على الأراضي السورية”.
نهاية الحقبة العسكرية للحزب في سوريا
يعد هذا البيان بمثابة إعلان غير رسمي بنهاية الحقبة العسكرية للحزب اللبناني في سوريا، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين الحزب والدولة السورية. في وقت سابق، كان يُنظر إلى الحزب اللبناني على أنه أحد الأطراف المؤثرة في العمليات العسكرية والأمنية داخل سوريا، ولكن البيان الأخير يشي بتغيرات كبيرة في استراتيجيته وسياساته الإقليمية. وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول مدى صحة الاتهامات الموجهة إليه، وأسباب هذا التحول المفاجئ في موقفه.
تحذيرات من “جهات استخبارية”
في محاولة للدفاع عن نفسه، حذر الحزب اللبناني من وجود “جهات استخبارية” تسعى لإثارة الفتنة بين لبنان وسوريا. هذا التحذير يشير إلى احتمال تورط أطراف خارجية في خلق شرخ بين البلدين الجارين، خاصة في وقت تشهد فيه العلاقات السورية-اللبنانية تحسنًا ملحوظًا بعد سنوات من التوتر والعزلة نتيجة للظروف الإقليمية والدولية. هذه التلميحات قد تدل على استغلال بعض القوى للتوترات القديمة في المنطقة لإحداث انقسام جديد بين البلدين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن الوثوق في بيان حزب الله التبريري وتصريحات قادته، بالرغم من انغماسهم العميق في الوحل السوري طوال 14 عامًا، حيث شاركوا في قمع الشعب السوري ودعموا النظام البائد كجناح إيراني ينفذ التوجهات الاستراتيجية الإيرانية؟ لقد كان للحزب دور بارز في تعزيز النظام السوري وحمايته، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، مما جعل موقفه يبدو متناقضًا تمامًا مع دعواته الحالية للبراءة من أي تورط. فكيف يمكن الوثوق في خطاب الحزب الذي يرفض تبني مسؤولية أي تصعيد في العلاقات بين لبنان وسوريا، في حين أن تاريخه في المنطقة مليء بالتدخلات التي تتماشى مع مصالح إيران، وليس مع مصالح الشعب السوري أو اللبناني؟
اختيار الحاخام اليهودي كهدف للعملية
ما يزيد من تعقيد هذا اللغز هو اختيار الحاخام اليهودي ميخائيل حوري كهدف للعملية المزعومة، خاصة أن الحادثة وقعت في منطقة باب توما، التي تُعد منطقة مسيحية في دمشق. هذا الاختيار له أبعاد طائفية وسياسية عميقة، ويُعتبر من غير المتوقع أن يتم استهداف شخصية دينية يهودية في منطقة ذات كثافة مسيحية. لو كانت محاولة الاغتيال قد نجحت، لكانت حكومة الرئيس احم الشرع في موقف محرج للغاية، حيث ستظهر عاجزة عن حماية التنوع الديني الذي يشتهر به المجتمع السوري.
وفي حال حدوث مثل هذا الحادث، كانت سوريا ستواجه إدانة دولية واسعة، خاصة من واشنطن وتل أبيب، في وقت تشهد فيه الحكومة السورية محاولات لتحسين علاقاتها مع الغرب والدول العربية بعد سنوات من العزلة. وهذا من شأنه أن يضر بشكل كبير بجهود دمشق في إعادة بناء صورتها على الساحة الدولية.
التهديد الطائفي وتأثيره على الاستقرار الداخلي
إن محاولة الاغتيال المزعومة قد تكون بداية لفتنة طائفية جديدة في سوريا، وهو ما من شأنه أن يعيد البلاد إلى دوامة الفوضى التي خرجت منها بصعوبة بعد سنوات من الحرب الأهلية. فما زالت الحساسيات الطائفية في سوريا حاضرة بشكل قوي، وأي حادثة مماثلة قد تؤدي إلى تصعيد العنف بين الطوائف المختلفة، مما يهدد الاستقرار الهش الذي بدأ يتعافى بعد سنوات من النزاع.
إن البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية السورية، وكذلك الرد العنيف من الحزب اللبناني، يكشفان عن حالة من التوتر السياسي قد يكون لها تداعيات بعيدة المدى. وبينما يبذل الحزب اللبناني جهدًا لنفي الاتهامات والتأكيد على عدم وجوده في سوريا، تظل هذه الحادثة تحمل في طياتها العديد من الأبعاد الطائفية والدولية التي قد تؤثر على العلاقات بين لبنان وسوريا بشكل غير مباشر. إن التصعيد المحتمل في العلاقات بين البلدين قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على استقرار المنطقة بأسرها، ويشكل تهديدًا جديًا للجهود المبذولة لتحقيق السلام والهدوء في سوريا بعد سنوات من الحرب.
إيران والتهديد المستمر للأمن السوري
لا تزال إيران تحاول العبث بالأمن السوري من خلال خلاياها التي تم إنشاؤها وتواصل نشاطاتها، رغم الهزيمة التي تكبدتها في سوريا وفشل مشروعها الإقليمي. يبدو أن هناك نوعًا من التنسيق غير المعلن بين طهران وتل أبيب، من خلال محاولة كل طرف العبث بالأمن السوري بشكل أو بآخر، وإثارة الفوضى لمنع استقرار البلاد سياسيًا واجتماعيًا. في ظل هذا التوتر المستمر، يظل التساؤل قائمًا: هل ستنجح إيران وإسرائيل في خلق خلل أمني طويل الأمد في سوريا؟ وكيف ستواجه دمشق هذه المحاولات التي تهدد بتقويض جهودها في استعادة الاستقرار الكامل؟



