خبر عاجلسياسة

الشرق الأوسط: بين صراعات القوى وسباق الأسلحة النووية ، نحو مستقبل غير مؤكد؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الشرق الأوسط: بين صراعات القوى وسباق الأسلحة النووية ، نحو مستقبل غير مؤكد؟

د. خالد العزي – مناشير

تحولت مأساة الشرق الأوسط إلى مهزلة أمام أعيننا. بدأ الأمر وكأنه بداية الحرب العالمية الثالثة، حيث انجرّت الولايات المتحدة إلى الصراع، وأُطلقت الصواريخ من غواصات نحو أهداف أرضية. حلقت سبع قاذفات شبح من طراز B-2 عبر نصف الكرة الأرضية، متسللة نحو المنشآت النووية الإيرانية. كان الأمر أشبه بفيلم هوليوودي، ولكن هناك تفاصيل دقيقة لابد من الانتباه إليها.
أثارت الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط حيرة الكثيرين، ويبقى السؤال قائمًا: ما الذي يحدث؟! بشكل عام، كانت العملية الإسرائيلية ناجحة عسكريًا لكنها فشلت استراتيجيًا. على الرغم من أن “القبة الحديدية” (نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي) نُسبت إليها الكثير من النجاح في الإعلام، فقد تبين أنها ليست فعالة ضد الصواريخ المعقدة التي تنتجها إيران. هذا ما كشفته الأحداث في خريف العام الماضي. كما أثبتت التجارب أن “القبة” لا تتمتع بكفاءة عالية عندما يُحمّل النظام بطائرات مسيّرة.
حرب إسرائيل وإيران لشرعنة النفوذ
إسرائيل ردّت بعنف على إيران، وألحقت بها أضرارًا جسيمة. ولكن مع مرور الوقت، سيضعف النظام الإسرائيلي في مواجهة إيران، نظرًا لاختلاف الحجم والسكان والإمكانيات الاقتصادية بين البلدين. في صراع طويل، لا تمتلك إسرائيل فرصة حقيقية. ومن جانب آخر، كان الرئيس الأمريكي ترامب غير راغب في التورط في حرب قد تؤدي إلى نشوب حرب عالمية، وهو ما جعله يتجنب التدخل المباشر.
هل ستستمر هذه الحرب القصيرة؟ من المحتمل جدًا. وعندما تبدأ أقوى أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، وهي مسألة شبه حتمية، لن يكون لدى أمريكا وقت لإدارة شؤونها في الشرق الأوسط. وفي المستقبل القريب، قد تحصل إسرائيل على السيادة الكاملة، وهو أمر قد يثير الاعتراضات. لذا، يجب على السياسيين الإسرائيليين التفكير في كيفية التعايش مع جيرانهم وتحقيق السلام، وإلا فقد يواجهون الزوال.
أما فيما يتعلق بالأسلحة النووية، فقد أصبح من السهل إنتاج شحنة نووية، رغم أن إنتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصب هو التحدي الأساسي. إيران تمتلك أجهزة طرد مركزي، وقدرتها على إنتاج سلاح نووي لا تشكل عقبة كبيرة. تكمن المشكلة في القدرة على إيصال هذا السلاح عبر صواريخ تتجاوز الدفاعات الصاروخية.
إيران وصناعة الأسلحة بالوكالة
في السنوات الأخيرة، اعتُبرت إيران أفضل صانع للأسلحة بالوكالة في العالم، من خلال دعمها لحركات مثل حزب الله والحوثيين وغيرهم. وقد ادّعى الإيرانيون أنهم يخوضون حربًا ضد داعش في سوريا، وذلك في محاولة لتشريع دورهم في المنطقة والتقرب من التحالف الدولي، كونهم جزءًا أساسيًا من هذا التحالف الذي يقاوم التطرف. كما كان هذا النهج جزءًا من محاولة غض الطرف عن أفعالهم في سوريا.
ومع ذلك، تشهد إيران في السنوات الأخيرة أزمة حكم واضحة، ما يجعلها في وضعٍ سياسي حرج. وفي الوقت نفسه، ستستمر محاولات تقليم أظافر إيران في المنطقة من خلال الضغط عليها لإبقاء نظام الملالي الحاكم، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام الحالي كي لا تتساقط شظاياه على بقية المنطقة.
منع تمدد نفوذ الصين في الشرق الأوسط
أما الضغوط المستمرة على إيران فهي أيضًا مرتبطة بمنع نفوذ الصين في المنطقة. فإيران تمتلك كميات ضخمة من النفط، وهو ما يُورد إلى الصين بشكل رئيسي، كما أنها تحتل المرتبة الثانية بعد روسيا في احتياطيات الغاز المؤكدة. في حال “غزو” إيران أو تغيير نظامها، سيفتح الطريق أمام تركمانستان، التي تمتلك رابع أكبر احتياطي للغاز في العالم. بالإضافة إلى ذلك، سيؤدي تغيير النظام إلى تدمير أحد المسارات التجارية البرية الحيوية بين الشمال والجنوب، وهو أمرٌ ترفضه الولايات المتحدة وبريطانيا بشدة.
إن إغراء هذه الثروات الطبيعية والموارد هو أمرٌ لا يمكن تجاهله، مما يعني أن إيران لن تجد نفسها في راحة في السنوات القادمة.
ترامب والكبش الفداء السياسي
أما بالنسبة للرئيس ترامب، فمن المحتمل أن يكون قد تم “إعداده” ليكون كبش فداء سياسي. هذه المرة نجا، لكنه قد يُضحى به في المستقبل، ويُكتب له نهاية سياسية. في هذا السياق، هاجمت إسرائيل إيران، واستهدفت مجموعات التخريب النظام الدفاعي الإيراني الضعيف من خلال طائرات بدون طيار. دمّرت الهجمات الصاروخية مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، معظمهم من الحرس الثوري الإسلامي، بالإضافة إلى علماء نوويين. وتم القضاء على جميع الشخصيات التي كانت تتفاوض مع الولايات المتحدة. ثم خاطب سياسيون إسرائيليون الشعب الإيراني، داعين إياهم إلى الإطاحة بالنظام الحالي.
في خضم هذه الصراعات المتشابكة والمعقدة في الشرق الأوسط، يتضح أن المنطقة دخلت في مرحلة من التحولات العميقة التي تحمل في طياتها تحديات كبيرة على جميع الأصعدة: العسكرية، الاقتصادية، والسياسية. يظل الصراع بين إسرائيل وإيران نقطة محورية تؤثر على استقرار المنطقة بأسرها، ومن غير المرجح أن تنتهي هذه الحرب القصيرة بسهولة أو بسرعة. التوترات بين القوى الكبرى في المنطقة، فضلاً عن تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، تجعل من الصعب التنبؤ بما سيحدث في المستقبل.
إيران، من جانبها، قد تجد نفسها في موقف حرج في ظل الأزمات الداخلية المتفاقمة، بينما تبقى القضية النووية ومسألة الأسلحة بالوكالة في صدارة التحديات التي تواجهها. وفي الوقت ذاته، يظل الدور الأمريكي، رغم عدم رغبة إدارة ترامب في التورط المباشر، مؤثرًا بشكل غير مباشر في سياق هذه الأزمة، لا سيما في محاولات الضغط على إيران ومنع توسع نفوذ الصين في المنطقة.
إسرائيل، من ناحيتها، قد تواجه مزيدًا من العقبات في حال استمرار الصراع مع إيران على المدى الطويل، خصوصًا في ظل الفجوة الكبيرة في الإمكانيات الاقتصادية والسكانية بين البلدين. وفي النهاية، تبقى التسوية السياسية والتحول نحو السلام أمرًا بالغ الأهمية، حيث تظل الفرصة الأخيرة لتحجيم الصراع وضمان استقرار المنطقة. إن الاستمرار في هذه الحروب بالوكالة قد يؤدي إلى مزيد من التدهور، ولكن في النهاية، لا بد من أن يكون الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة من العنف والتدمير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى