السلام الاقتصادي بين لبنان وإسرائيل: رؤى مختلفة وتصعيد محتمل
السلام الاقتصادي بين لبنان وإسرائيل: رؤى مختلفة وتصعيد محتمل

د.خالد العزي
السلام الاقتصادي هو مفهوم يعتمد على إدارة مشاريع تنموية واقتصادية بين دول متحاربة، مع رؤية مشتركة تهدف إلى بناء واقع اقتصادي يحقق مصالح الطرفين ويساهم في إنهاء الأزمات، عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وخلق روابط تجارية ومشاريع مشتركة. الهدف الأسمى هو بناء اقتصاد مشترك بين الدولتين المتنازعتين، يساهم في تحقيق الاستقرار والسلام العام، ما يمهد لاحقًا للوصول إلى حلول سياسية ودبلوماسية مستدامة.
رؤية إسرائيل: فرض الأمر الواقع عبر السلام الاقتصادي
من وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يرى أن السلام الاقتصادي يمثل الطريق الأقصر لتحقيق سلام دائم بين لبنان وإسرائيل، خاصة في ظل الوضع الراهن. من خلال السلام الاقتصادي، يسعى نتنياهو إلى بناء “واقع اقتصادي” مشترك، يتضمن إقامة مناطق صناعية وتجارية بين الطرفين، مع التركيز على التعاون في مجالات مثل الطاقة، التجارة، والبنية التحتية. هذا التعاون، وفقًا لرؤية إسرائيل، سيؤدي إلى التهدئة وتخفيف حدة الصراع، مما يمهد الطريق في النهاية إلى اتفاق سياسي غير مباشر.
لكن هذا التوجه الإسرائيلي لا يلقى ترحيبًا كبيرًا في لبنان، خاصة أن السلام الاقتصادي، من وجهة نظر نتنياهو، قد يأتي على حساب القضايا السياسية الجوهرية مثل الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المحتلة، إعادة الأسرى اللبنانيين، وترسيم الحدود واعادة اعمار المناطق المهدمة . ما يراه لبنان هو أن أي اتفاق اقتصادي مع إسرائيل يجب أن يكون متوازنًا، وأن يترافق مع خطوات حقيقية نحو حل القضايا السياسية المعلقة. المفاوضات، وفقًا لهذا الموقف اللبناني، يجب أن تركز على تنفيذ “تفاهم شامل” يشمل الحقوق السيادية للبنان، وليس مجرد فرض واقع اقتصادي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي.
رؤية لبنان: العودة إلى التفاوض السياسي واستعادة السيادة
في المقابل، تركز رؤية لبنان على ضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، يتضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، إعادة الأسرى، إعادة إعمار القرى المدمرة، وترسيم الحدود البحرية والبرية بشكل عادل. تؤكد الحكومة اللبنانية على أن أي اتفاق مع إسرائيل يجب أن يراعي السيادة الوطنية للبنان، ويحترم إرادة الشعب اللبناني في الحفاظ على حقوقه. لبنان يرى أن عملية السلام يجب أن تترافق مع التزام إسرائيلي برؤية أمنية وسياسية قائمة على احترام الحدود الدولية، وحماية السكان من الأعمال العسكرية الإسرائيلية.
ورغم أن لبنان قد دخل مفاوضات مع إسرائيل بخصوص بعض القضايا الاقتصادية، مثل ترسيم الحدود البحرية في إطار لجنة التنسيق بين البلدين، إلا أن هذه المفاوضات تظل محدودة ولا تمثل في نظر لبنان بداية لحل شامل للأزمة. لبنان يريد أن يكون السلام جزءًا من عملية شاملة تتضمن تطبيع العلاقات على مستوى أوسع، يضمن للأطراف جميعها حقها في السيادة والأمن.
التهديدات الإسرائيلية وذريعة حزب الله:
لكن ما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا هو وجود حزب الله في المعادلة اللبنانية. يعتبر نتنياهو أن وجود حزب الله وتأثيره المباشر على السياسة اللبنانية يعزز موقفه في رفض التوصل إلى أي اتفاقات مع الحكومة اللبنانية ما لم يتم تحقيق “هدنة أمنية” مع ضمان استقرار الحدود. هذا الوضع يعقد أي مفاوضات حول السلام الاقتصادي، ويمنح إسرائيل مزيدًا من القوة السياسية للضغط على لبنان، مستفيدة من وضع حزب الله كقوة مسلحة خارج نطاق سيطرة الدولة اللبنانية، وكذلك من ارتباطه الوثيق بسياسة إيران.
التهديدات والضغوطات الإسرائيلية:
نتنياهو، من خلال طرحه لسلام اقتصادي، يهدف إلى فرض أمر واقع جديد من خلال استغلال الفجوات السياسية والأمنية في لبنان. إذ يعتبر أن ضعف السلطة المركزية اللبنانية وتحدياتها مع حزب الله، الذي يعلن انتماءه المباشر للسياسة الإيرانية، يوفر لإسرائيل الفرصة للضغط على لبنان للقبول بالسلام الاقتصادي كخطوة أولى، ما يعزز من نفوذ إسرائيل في المنطقة. هذه التكتيكات تهدف إلى إجبار لبنان على تقديم تنازلات أمنية وسياسية، وهو ما تراه بعض الأطراف اللبنانية تهديدًا لمستقبل سيادة الدولة اللبنانية.
بالنهاية ،رغم أن السلام الاقتصادي يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تخفيف حدة الصراع على المدى الطويل، إلا أن الواقع اللبناني يعكس تحديات كبيرة في تطبيق هذه الرؤية. بالنسبة للبنان، لا يمكن أن يكون السلام الاقتصادي بديلاً عن حل سياسي شامل يضمن حقوق لبنان السيادية، ويؤدي إلى إعادة بناء الثقة بين لبنان وإسرائيل. في النهاية، يظل الصراع حول كيفية التعامل مع إسرائيل قائمًا، ويعتمد الحل على توازن القوى الداخلية والإقليمية، وعلى قدرة لبنان على التمسك بمصالحه الوطنية في وجه الضغوطات الإسرائيلية.



