الثورة… والتدقيق – بول عكاري

كتب بول ناصيف عكاري
هل من المنطقيّ أن تقوم المافيا اللبنانية بتدقيق محاسبي جنائي على أعمالها النيّرة؟ حاشا! جلّ ما في الأمر بهلوانيات معتادة من عرابها الأكبر بإخراج أرانب الحرام من قبعات سود عميقة خبئت فيها مستندات الإدانة. من أجل أن تنتظم الأحوال في البلاد لا بد من القيام بعدّة تدقيقات علميّة وعمليّة لمعرفة ماذا حدث بالضبط ومعاقبة عادلة لا كيديّة لا سياسيّة لكلّ مرتكب.
الهدف من أيّ تحقيق جنائي هو فحص وتقييم السجلات لإشتقاق أدلة يمكن استخدامها بفعّاليّة في محكمة قانونية أو إجراءات قانونية.
من مبادئ الثورة الأساسيّة أن يصبح لبنان العربيّ خلال سبع سنوات من أفضل بلدان العالم حيث المواطن يعيش حياته الإنسانيّة بأمان وعدل ومساواة واستقرار وبحبوحة من خلال نظام سياسيّ وطنيّ عصري لا مذهبيّ لا مرتزق. وطنٌ حيث العيش المشترك رسالة فعليّة لا استعراضيّة تكون حذوة للعالم. وطنٌ سبّاق في المؤشرات الإيجابيّة العالميّة يكون مفخرةً لأبنائه المقيمين والمنتشرين.
من أجل البدء في تحقيق هذه الرؤية لا بدّ من القيام بالتدقيقات التالية ضمن مهلة لا تتعدى السنة واحدة:
أولاً: التدقيق المحاسبيّ الجنائيّ. لا داعي في الاسترسال ولكن يجب التعاقد مع عدة شركات متخصصة ذات مصداقيّة عالميّة للتدقيق المتوازي في جميع مؤسسات الدولة والبدء بمؤسسات الرئاسات الثلاث.
ثانياً: التدقيق التقنيّ الجنائيّ. يشتمل على كافة التعهدات من أعمال إنشائيّة ومدنيّة وحربيّة وما بينهم من مشتريات وتقديم خدمات وإستشارات. الهدف هو التأكد من حسن الدراسة والتنفيذ وفقاً للمواصفات الفنيّة ومتطلبات الجودة. فيما خصّ دفتر الشروط فيجب التدقيق في شروطه العامة والخاصة. تجدر الإشارة أنّ الإستشاريّ والمشرف الفاسد أخطر من المتعهد النمطيّ*، وحسابهم يجب أن يكون أشدّ إيلاماً. يجب التعاقد مع إستشاريين غير لبنانيين ذو صدقيّة عالميّة لكشف مكامن الفساد والحرام ولتقييم الجدوى الإقتصاديّة والإنمائيّة والأثر البيئيّ لكلّ مشروع. بالإضافة، تعين الجهات المانحة إستشاريين من قبلها لمعرفة أين وكيف صرفت أموال شعوبها ومدى اشتراك بعضٌ من موظفيها في الفساد.
ثالثاً: التدقيق الضريبيّ الجنائيّ. على أمل أن تلغى جميع الضرائب، يشتمل على إظهار الدفتر الثاني و”الزعبرات” عند معظم الشركات والمؤسسات المحظيّة بواسطة شركات تدقيق عالميّة. كما يجب إدخال جميع المؤسسات العاملة ضمن سلة المكلفين لإحلال العدالة الضريببيّة والمحافظة على المنافسة المتكافئة.
رابعاً: التدقيق الوظيفيّ الجنائيّ. يُعنى بتقييم جميع موظفي الدولة* خلال مهلة اقصاها ستة اشهر وفقاً لمعاييرعلميّة ومنصفة من خلال مجلس الخدمة المدنيّة وشركة عالميّة متخصصة. الإبقاء على الضمان الصحيّ للمصروفين لمدّة لا تتعدى التسعة أشهر وليعطوا ثلاثة أشهر معاش صرف ومعاش تقاعديّ بواسطة سندات خزينة على سبع سنوات بفائدة صفر لأنّهم هم الذين صفّروا الدولة. الاستثمار بالإنسان والرأسمال البشري يضمن الدولة المنتجة والفعّاليّة في البرامج الاستثماريّة وتطبيقها. أمّا المرتكبون وفقاً ل “من أين لك هذا” فإلى عذاب السجن وبئس المصير.
خامساً: التدقيق الجنائيّ في ضمير الوطن. الأوطان الخيّرة أساسها التوازن بين العدل والأمن الذين يشكلان ضمير الوطن. بناء عليه، يجب تنقية هذين الجسمين من الشوائب ومن الفاسدين والكسالى وغير الكفوئين وإنزال أشدّ العقوبات بالمرتكبين والتشهير بهم من خلال مؤسستيهما الرقابيّة والتأديبيّة بالتعاون مع نظرائهم الفرنسيّين أو الإنكليز وهيئة أمنيّة-استقصائيّة مؤلفة من ضباط لبنانيين وفرنسيين.
سادساً: التدقيق الجنائيّ في الضمير الدينيّ. هنا الجريمة الكبرى، لأنّ تعاليم الأديان فشلت في صناعة إنسان “ضميره حيّ” يكون السد المنيع أمام المفاسد والخطيئة ومن أجل ضمان اليوم الآخر. مع صعوبة إيجاد شركة تدقيق جنائيّة في هذا المضمار، ولأنّ الدين إبتعد عن رسالته ووظيفته الأساسيّة، المطلوب إنتفاضة المؤسسة الدينيّة على ذاتها وعلى الشرّ المستطير من أجل إستعادة نفسها والإنسان الضال من جمهوريات الشرّ والظلم. وهنا يجب إعادة النظر في المناهج المذهبيّة بما يتطابق مع مقتضيات العيش المشترك.
سابعاً: التدقيق الجنائيّ في الثقافة الوطنيّة. يكلف فريق عمل من الباحثين اللبنانيين من أساتذة الجامعات الأكفاء تحت أشراف الجامعتين الأميريكية واليسوعيّة (بكل أسف اللبنانيّة تابعة للمافيا) لتحديد ما آلت اليه عناصر حب الوطن والقيم والأخلاق وتأثيرالطبائع المستجدّة وقياس مستويات الجهل والأنا والحقد وكراهية الآخر وما شابه على الفرد والعائلة والمجتمع وتقديم التوصيات المناسبة.
ثامناً: التدقيق الجنائيّ في ثورة 17 تشرين. بدل التدقيق بمن ركب الثورة ومن خان أهدافها وبدل التلهيّ ببرامج وفلسفات وتنظيرات وتشبيكات وإختراع منصات كأنّ الثورة انتصرت، يجب أن يُستنبط مفهوم موحد للثورة ألا وهو تطبيق إتفاق الطائف والدستور بالإضافة الى تطبيق لا كيديّ للقوانين النافذة بواسطة قضاء مستقل ومؤسسة أمنية فعّالة نظيفة.
تأسيساً على ما جاء أعلاه لا بدّ من التأكيد أنّ هذا لن يستوي ولن يتحقق منه شيئاً لأن الأساس مفقود ولا بدّ من البدء به ألا وهو التدقيق الوطنيّ في مفهوم لبنان كوطن نهائي لأبنائه. المشكلة جذورها تاريخيّة لأن كل فرقة لديها مفهوم خاص مختلف للبنان وتريد فرضه على الفرق الأخرى وهذا ما تترجم في الإشكاليات والحروب والأحقاد وأخيراً نهب مقدرات اللبنانيين.
كما لا إكراه في الدين كذلك “لا إكراه في المواطنة”! من هذا المنطلق الطلب من الأمم المتحدة تشكيل لجنة تتقصى واقع الأمور ورغبات اللبنانيين من أجل وضع نظام جديد يحمي “الوحدة في التنوع” والعيش الكريم لكل مكون وفقاً لمزاجه وطبائعه وثقافته. عندما نكون صريحين وصادقين عندئذٍ نحقق الرؤية الواردة أعلاه.



