الثورة على الخوف أولاً….! / محمد شياح

كتب محمد شياح
لا شك أنّ بنية النظام اللبناني الطائفية تعزّز الخوف دوماً بين أفراد المجتمع، وهنا لا نتكلم عن القمع لدى أجهزة المخابرات ولا عن تركيب الملفات اللّذي نجا منها زياد عيتاني بأعجوبةٍ خالصة، كان يجب أن تخلّد في قواميس المستحيلات. إنما الخوف الّذي يأتي من عدم الشعور بالآمان، و من المجهول، ذلك الخوف هو وليد الشّك، خوف يتعاظم بذاته، يأكل المنطق ويتضاعف بثوانٍ معدودة ليبرر أحياناً جرائم أقلّ ما يمكن القول عنها أنّها وحشية وغير إنسانية وقد يصنف بين طياته ديكتاتورياً هنا أو هناك فقط لإنتمائه الطائفي، ومن صاحبه قد يخلق وحشاً ضارياً يهين ويعذب ويقتل ثم يستكين ويهدأ في زوايا الإيمان الغيبي.
تلك البنية الطائفية التي تحدد علاقة الدولة بالمواطن وإستشرت في المجتمع لتصبح هي من تحدد علاقات الأفراد فيما بينهم، إن كان ذلك على صعيد العمل أم على صعيد العلاقات الإجتماعية الأخرى كالإرتباط مثلاً .
من منّا لم يسمع حديثاً عن إثنين من طوائف مختلفة قررا الإرتباط فحلً غضب العائلة والحي والبلدة عليهم ، من منّا لم ير شخصٌ نبذ من عائلته بسبب حبّها أو حبّه من غير ملته أو لربما كنا يوماً ما جزءاً من ذلك الحديث أتتذكرون غضبكم ؟ أتتذكرون كلماتكم ؟ أتتذكرون خوفكم على مصير الملّة ؟ وهل لا زلتم تشعرون بذلك الآن ؟ هل تشعرون بالخوف أحياناً ؟ هل هناك من يتربص بكم كمجموعة ؟
ما زال النظام ينمي خوفكم ولم يوقًع أي وزير داخلية حتى الآن على مراسيم الزواج المدني الملقاة في جوارير مكتب الوزارة ، تلك العقود المدنية كأنها تهدد النظام ارادوه بمقاييسهم. حمداً أنها لم تتحول إلى إتهامات لأصحابها بزعزعة الأمن القومي ومن يعرف لربما ستصبح إتهاماً في أحد الأيام .
دائماً الخوف على الطائفة وملاحقة الشعور بالطمأنينة والراحة لديها على الرغم من أنه شعور وهمي كمن يأخذ جرعة مخدرات ليستيقظ بعدها على واقعه المأساوي . ولكن على الرغم من ذلك نلاحق ذلك الشعور ونقاتل ليقال لنا بأننا حماة الطائفة وشبيحتها فنأخذ تلك الجرعة إنتصارٌ وهمي في واقعٍ مزري . ذلك الخوف الذي يحدد المسار الفكري والقرار الشخصي والرؤية الإقتصادية والتحليل السياسي ، ذلك الخوف الذي يهمس في العقول عن كيفية التصرف وماهية المواقف وأخذ القرارات وعادةً ما تكون إنفعالية ليس لها ركائز فعلية؟ فهي تنبع من الشكّ والرعبة . فكيف ننسى حرب 75 وما فعله الخوف حينها كيف قضى على العلمانية ووضع المجرمين في علية القوم وفي قيادة الحياة السياسية. كيف أنتج النظام الريعي كيف قتل الإقتصاد المنتج كيف زج بالمناضلين في السجون وأخرج العملاء ومنهم الفاخوري وليس آخرهم؟ . كيف هجر شبابنا وكرّم الإنتهازيين، خوفٌ ليس له حدود قد يجعل من العدو صديقاً ومن الأصدقاء أعداء قد يبرر القتل ويحاكم الحرية ، قد يعطي السرقة ذريعة ويتهم الثائر بإختراق القانون. هذا الخوف يقتلنا جميعاً وعن صاحبه يحبس الأنفاس شيئاً فشيئاً.
هل انت طائفي ؟ كلا يجاوب
هل تزوج اولادك لغير طوائف ؟ كلا
هل تنتخب رئيسا من غير طائفتك ؟ كلا
هل زعيمك فاسد ؟ كلا
هل الطائفية مرض ؟ نعم
الأجوبة نفسها تجدها عند الجميع ، ربما من الجيد إعترافهم بالمرض ولكن المؤسف أن المريض لا يمكنه معالجة نفسه، خصوصاً أنه لا يشخص نفسه كمريض وإنما يتهم الاخرين به. فالطائفية ضمن النظام اللبناني تتعدى حدود السياسة لتدخل ضمن المجتمع وتحدد قوانين الاقتصاد، وهنا يطرح السؤال نفسه علينا كعلمانيين كيفية المواجهة ؟
وجدنا أنفسنا ضمن إنتفاضة ١٧ تشرين على إحتكاك دائم مع تلك البنية الطائفية وجدناها تطالب بحقوقها ، تبين أن ذلك الشعور بالآمان وهمي فهم خائفون وتلك الراحة غير موجودة فهم متعبون ومحتاجون يريدون دولة المواطنة يريدون دولة الحقوق يريدون العيش بكرامة ولكن ! من بعد تلك الكلمة ولكن، يأتي المحظر والممنوع ، تأتي جملة من دون المس بزعيمي وعند تلك النقطة حصل بيننا الإشتباك ، جاء ذلك الإشتباك عفوي من الجهتين فمن جهة الطائفي فهو يدافع بشكل غريزي عن أهم مكون داخل طائفته ومن جهة العلماني فهو وقع تحت تأثير الصدمة لأنه إنغمس باللحظة وظن لثواني غارقا بأمنياته أن الشعب أصبح يعي مصالحه ، فأتت النتيجة سلبية على عكس نتائج الكورونا الإيجابية هذه الفترة . فكيف نقنعهم أنهم مواطنون ؟
ذهب العلماني إلى منصاته الإلكترونية معلنا البيانات مؤلفا المجموعات من معارفه وكذلك فعل الطائفي فنشأت مجموعات مضادة فكريا وكل تظن بنفسها أنها الثورة إلى أن إنفكت الناس عن الإنتفاضة بوجه السلطة باحثة عن لقمة عيشها بظل إنهيار إقتصادي كان يجب أن يحدث قبل باريس ٢ ولكن وقتها جاءت الحلول النيو-كينزية لتنقذ الواقع الإقتصادي من السقوط إنما لتجرنا إلى واقع كارثي نعيشه اليوم .
لا أدعي حمل الحلول ولكن حل المسائل العلمية يسبقها قراءة القوانين والكتب تسبقها مطالعة وفهم للمعضلة، وهذا نظام عتيد ألا تريد أن نحلل بنيته ونستقرأ نقاط قوته وضعفه ؟ ألا تريد بناء الخطة ؟ فكيف تنوي مواجهته عاريا يا صديقي ؟
هذا السؤال إلى كل المهتمين بالشأن اللبناني الى كل منتفض إلى ثائر الى كل خائف خصوصا ، فلننتظم ونتعاون ونتبادل أفكارنا إلى طاولة حوار تجمعنا الى جبهة معارضة تجمع فيما بيننا تعزز من قوانا وتضعنا على المسار التاريخي الصحيح إلى تجربة فريدة من نوعها ولربما تكون الاولى في قلب هذا النظام الكهل القوي . إنها ثورة على أنفسنا على ذلك الخوف المزروع في الأنفس إنها ثورة الخائف لئلا يخاف مجدداً .



