إشكاليات استحقاق الانتخابات النيابية بين الدستوري والسياسي وقرار التأجيل
إشكاليات استحقاق الانتخابات النيابية بين الدستوري والسياسي وقرار التأجيل

كتب زكي طه في بيروت الحرية
في زحمة القضايا والملفات التي تؤرق حياة اللبنانيين ـ من تصاعد الغارات والاعتداءات وخطر تجدد الحرب الإسرائيلية، إلى الأوضاع المعيشية الضاغطة الموزعة بين “تصحيح الأجور” والزيادات الضريبية وتعثر مسار الإصلاح، وصولاً إلى القلق على مستقبل مشروع الدولة ـ تحوّل استحقاق الانتخابات النيابية إلى ساحة صراع مفتوحة حول القانون الانتخابي، وآليات اقتراع المغتربين، وموعد إجراء الانتخابات نفسه.
والسجال المحتدم بين القوى المعنية يخفي سؤالاً أعمق: هل نحن أمام عملية ديمقراطية فعلية هدفها تجديد الحياة السياسية وإعادة إنتاج السلطة على أسس تمثيلية حقيقية، أم إننا أمام محاولة جديدة لإعادة تدوير المنظومة الطائفية تحت مسمى الاستحقاق الدستوري؟
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن الانتخابات النيابية ليست مجرد آلية تداول ديمقراطي للسلطة، بل انعكاس مباشر لتوازنات النظام الطائفي وحسابات القوى الإقليمية والدولية. لذلك، لا يتعلق الاستحقاق فقط بإجراء الانتخابات أو تأجيلها، بل بطبيعة النتائج المتوقعة، وإذا كانت ستفتح باب الإصلاح السياسي أو ستغلقه أمام أي مسار تغييري. فهل تُستخدم الانتخابات لإعادة إنتاج البنية الطائفية ذاتها؟ أم يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة التوازن الوطني وكسر الاحتكارات التمثيلية داخل الطوائف؟
استغلال أصوات المغتربين
يشكّل ملف اقتراع اللبنانيين غير المقيمين محوراً أساسياً في النزاع القائم بين الكتل الطائفية. فبدلاً من مقاربة المسألة باعتبارها حقاً دستورياً لمواطنين يحافظون على انتمائهم الوطني، ويساهمون في الاقتصاد، ويملكون حق التأثير في القرار السياسي، تحوّل الملف إلى ساحة تجاذب مرتبطة بحسابات الربح والخسارة بين الكتل النيابية، التي تنظر إلى الاغتراب اللبناني كخزان أصوات قابل للاستثمار، سواء عبر شبكات الأحزاب في الخارج، أو من خلال تأثيرات سياسية واقتصادية متصلة بالدول المضيفة.
وخشية الاحزاب الطائفية لا تنبع من مبدأ المشاركة بحد ذاته، بل من طبيعة الخيارات السياسية التي قد يعبّر عنها الناخبون في الخارج، حيث تقل سطوة العلاقات الزبائنية المباشرة، ويضعف تأثير شبكات الخدمات المحلية. لذلك نشهد محاولات متناقضة: فريق يسعى إلى توسيع تأثير أصوات المغتربين داخل الدوائر الانتخابية، وفريق آخر يفضّل حصرهم بعدد محدود من المقاعد الخاصة بهم للحد من قدرتهم على التأثير في النتائج العامة. وفي الحالتين تغيب المقاربة الوطنية الشاملة، لقضية المغتربين وحقوقهم في بلدهم أو حيث يتواجدون، وتحضر الحسابات الطائفية والفئوية الضيقة. هذا ما تؤكده سجالات قوى أساسية مثل القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والثنائي الشيعي.
ولا تقف إشكالية الاستحقاق الانتخابي عند هذا الحد، إذ تبرز عقدة أعمق تتصل بطبيعة النظام الذي يحوّل الطوائف إلى كتل نيابية مغلقة، تُبقيها ساحات لصراعات دائمة ومعارك مفتوحة بين الأحزاب والزعامات التي ترفع رايات “حقوق الطائفة”، أو تدّعي النطق باسمها، في سعيها إلى احتكار تمثيلها النيابي أو تقاسمه في أحسن الأحوال.
وفي هذا السياق الراهن، تتجلى إشكالية تمثيل الطائفة الشيعية، حيث يسعى ثنائي حزب الله وحركة أمل إلى تجديد مصادرة وتقاسم نواب الطائفة لأربع سنوات إضافية. وبذلك تتكوّن محصلة إجمالية تتحكم بالحياة البرلمانية، وتمنع تحوّل المجلس النيابي إلى مؤسسة فاعلة ذات دور تشريعي ورقابي مستقل، بفعل إعادة إنتاج التوازن بين قوى السلطة التي تتقاسم القدرة التعطيلية وتبادل الخدمات. وهكذا يصبح أي مسار دولتي، إصلاحي أو سيادي رهينة شروط تلك القوى أو موافقتها، بدءاً من مشاريع إعادة بناء الدولة والإصلاحات المالية والإدارية، وصولاً إلى معالجة معضلة السلاح خارج إطار الدولة.
التمديد المقنّع
في موازاة ذلك، يتصاعد الحديث عن احتمال تأجيل الانتخابات، سواء بذريعة الظروف الأمنية والسياسية، أو بحجة انتظار تسويات إقليمية لم تنضج بعد. غير أن التأجيل، إذا حصل، لن يكون مجرد إجراء تقني كما يروّج البعض، بل استعادة لأعراف تعطيلية درجت عليها أطراف الداخل والخارج، بحكم تشابك أزمات لبنان وموقعه كساحة صراع إقليمي ودولي.
من المؤكد أن بعض الجهات الخارجية لا يريد إنتاج مجلس نيابي جديد يكرّس توازنات غير مرغوبة. ما يعني ضمناً أن قرار إجراء الانتخابات ليس قراراً داخلياً مستقلاً بالكامل. يؤكد ذلك إعلان رئيس المجلس النيابي عن تبلغه طلب لجنة سفراء الدول الخمس بتأجيل الانتخابات. والمضمر لدى هؤلاء، انتظار تبدل التوزانات المحلية في ضوء التسويات الاقليمية، لضمان وصول مجلس جديد يأخذ بشروط دولهم لمعالجة الملفات الحساسة كالإصلاح المالي والاقتصادي وإعادة الاعمار وسلاح حزب الله.
والمفارقة الأكثر وضوحاً، تتمثل في سلوك عدد كبير من النواب والكتل الذين يعلنون تمسكهم بإجراء الانتخابات في موعدها، فيما تعكس ممارساتهم الفعلية خشية واضحة من خوضها. فالأزمة الاقتصادية الخانقة، والانهيار المالي غير المسبوق، وتآكل الثقة بالطبقة السياسية، كلها عوامل تضع العديد من النواب أمام احتمال خسارة مواقعهم. ومن هنا تبدو فرضية التمديد للمجلس الحالي، بصرف النظر عن الذرائع، خياراً مريحاً لكثيرين ممن يخشون حكم صناديق الاقتراع.
وفي ظل هذا التناقض بين الخطاب والممارسة، تسود المزايدات في رفع شعارات الإصلاح والسيادة والمقاومة وحماية الدستور، فيما يفاوض اصحابها في الكواليس لتمرير تمديد مقنّع للمجلس الحالي بذرائع متنوعة، لضمان استمرار التوازنات الراهنة وبقاء قوى السلطة في مواقعها.
الاختراق الصعب
الإشكالية الأعمق تتعلق بوظيفة الانتخابات النيابية، واستحالة انتاج تحول ديمقراطي حقيقي لأنها تجري وفق القانون الحالي القائم على قواعد المحاصصة وآليات الإقصاء، الذي يعيد انتاج العصبيات الطائفية، ويجدد احتكار تمثيل الطوائف من قبل احزاب السلطة التي ترفع راية حقوقها لضمان حصتها من النواب. هذا عدا أنه يمكّن قوى المال السياسي والشبكات الزبائنية من التاثير الحاسم في نتائج الانتخابات؟ ولذلك فإن كل المعطيات والمؤشرات المتوافرة ترجّح أن جديد المجلس القادم لن يتجاوز تبديل بعض الأسماء، من دون مساس فعلي بالبنية السياسية الإجمالية الحاكمة.
ومع ذلك، ورغم قتامة المشهد، لا يجوز التقليل من أهمية الاستحقاق. فالانتخابات، حتى ضمن نظام مأزوم، تبقى مساحة صراع مفتوحة يمكن أن تتيح خروقات جزئية، وكسر بعض الاحتكارات. والأهم أنها تفتح نقاشاً وطنياً حول إصلاح القانون الانتخابي كي تكون النتائج أكثر تمثيلاً خارج القيد الطائفي، ولضمان اقتراع المغتربين بما يعزز التمثيل الوطني لا الفئوي، إضافة إلى حماية دورية الاستحقاقات الدستورية من التمديد التعسفي.
في المحصلة، يقف البلد أمام مفترق طرق، إما إجراء الانتخابات في موعدها والمحافظة على الحد الادنى من الشرعية الدستورية مقابل إعادة إنتاج منظومة المحاصصة الطائفية. وإما تأجيلها والتمديد للمجلس الحالي على النحو الذي يعمّق أزمة الشرعية ويكرّس منطق التعطيل. أما الخيار الأصعب ـ والأكثر انسجاماً مع فكرة إعادة بناء الدولة ـ فهو تحويل الانتخابات إلى لحظة سياسية ضاغطة لإعادة النظر في قواعد اللعبة التي لا تختزل بعدد المقاعد أو هوية الفائزين.
معنى المعركة
في النهاية، يتجدد السؤال حول معنى الانتخابات ووظيفتها؟، والإجابة عنه هي التي تحدد ما إذا كان الاستحقاق المقبل محطة عابرة في مسار الانهيار، أم خطوة في مسار إصلاحي طويل. ولأن الانتخابات في لبنان ليست مجرد صناديق اقتراع، بل ساحة صراع على معنى الدولة: هل تبقى اسيرة توازنات واسلحة أحزاب الطوائف ورهانات وولاءات خارجية، أم تتحول محطة في مسار ديمقراطي تساهم في تكريس مبادىء المواطنة والتزام آليات المسألة وتداول السلطة في إطار مشروع بناء الدولة الحديثة.
من الواضح أن الإشكاليات الأساسية للاستحقاق الانتخابي مرشحة للاستطالة، لأن أكثرية القوى التي تملك قرار حصوله، هي نفسها المستفيدة من تعطيله أو تحجيم نتائجه. والرهان على قوى الحركة الديمقراطية المستقلة بما فيها اليسار، والاغتراب اللبناني، يقع خارج المعادلة راهناً، لأنها تفتقد الوزن الاجتماعي التمثيلي الذي يمكنها من فرض معادلة مختلفة، تكسر احتكار هذا التمثيل، وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها مرجعية جامعة لا غنيمة موزعة بين الطوائف عبر ممثليها الحصريين.



