12 عامًا على مجزرة الغوطة الكيميائية.. ذاكرة تختنق، وعدالة مؤجلة

خاص مناشير
في فجر الأربعاء، 21 أغسطس/آب 2013، استيقظت الغوطة الشرقية على فاجعة غير مسبوقة. عشرات المنازل تحوّلت إلى مقابر جماعية، وأرواح مئات الأطفال والنساء اختنقت تحت جنح الظلام بغاز السارين القاتل. وبعد اثني عشر عامًا، لا تزال مجزرة الكيميائي حاضرة في الذاكرة السورية، ليس فقط كأحد أكثر فصول الحرب دموية، بل أيضًا كعنوان بارز لفشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين ومحاسبة الجناة.
فجرٌ قاتل.. مئات الضحايا بغاز السارين
بدأ الهجوم عند الساعة 2:31 فجرًا، حين أطلقت قوات النظام مئات الصواريخ المحملة بغاز الأعصاب على بلدات زملكا وعين ترما وعربين في الغوطة الشرقية، بالتزامن مع قصف على المعضمية في الغوطة الغربية. استمر القصف حتى الساعة 5:21 صباحًا، فيما وصلت أولى الحالات إلى المستشفيات عند السادسة صباحًا.
بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد الضحايا 1127 شخصًا، بينهم 107 أطفال و201 امرأة. وتداولت وسائل الإعلام ومنظمات حقوقية مشاهد صادمة لجثث مكفنة بوجوه محتقنة، وأطفال راقدين بلا حراك، وآخرين يصارعون الموت بلا جروح ظاهرية، ضحايا لاختناق داخلي لا يُرى.
العدالة المختطفة
رغم أن بعثة الأمم المتحدة أكدت وجود “أدلة دامغة” على استخدام غاز السارين، فإن تقريرها الذي صدر في سبتمبر/أيلول 2013 لم يحمّل أي طرف مسؤولية مباشرة، فيما تواصل النظام السوري نفيه التام للجريمة، ثم انتقل لاحقًا لاتهام المعارضة بتنفيذها.
وفي ظل تهديد أميركي بشن ضربات عسكرية، توصّل الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى اتفاق يُجنّب النظام الضربة مقابل تسليم ترسانته الكيميائية، وهي صفقة اعتبرها حقوقيون “بيعًا لدماء الضحايا على طاولة السياسة”.
الذاكرة تتقد.. والغوطة تحيي
للمرة الأولى منذ 12 عامًا، يحيي السوريون ذكرى المجزرة بعد سقوط نظام الأسد. عند الساعة الثانية فجر 21 أغسطس الجاري، علت تكبيرات المساجد في دمشق والغوطة، تزامنًا مع إطلاق مفرقعات نارية رمزية. وشارك مئات السوريين في وقفة عند نصب الجندي المجهول في العاصمة، رفعوا خلالها صور الضحايا ولافتات تطالب بالعدالة.
تقول أم سامر، إحدى الناجيات من الهجوم في زملكا: “كنا نظن أن العالم سيردع الجلاد.. لكننا تعلمنا أن العدالة تحتاج أكثر من دماء لتتحرك”.
منظمة حظر الأسلحة: الأسلحة لم تُدمّر بالكامل
رغم إعلان تفكيك الترسانة الكيميائية السورية بموجب القرار الدولي 2118، أظهرت تحقيقات أممية لاحقة أن النظام لم يُفصح عن كامل مخزونه، وعاد لاستخدام الغاز السام في مجازر خان شيخون (2017) ودوما (2018)، ما أثار شكوكًا حول جدية المجتمع الدولي في فرض المساءلة.
وفي عام 2018، أعربت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن “قلقها العميق” من عدم التزام النظام السوري الكامل بالكشف عن كل منشآته وبرامجه الكيميائية.
عدالة انتقالية.. أم نهاية الإفلات؟
مع التغير السياسي الأخير في سوريا وسقوط نظام الأسد، أعلنت السلطات الانتقالية إطلاق مسار للعدالة يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، وفي مقدمتها استخدام السلاح الكيميائي. وأكد متحدث باسم لجنة العدالة الانتقالية أن “مجزرة الغوطة ستكون أولى الملفات التي ستُعرض على المحاكم الجديدة”.
لكن سوريين كثيرين يبدون حذرًا في تفاؤلهم. “نحن لا نبحث عن انتقام، بل عن اعتراف بحجم الجريمة ومحاسبة عادلة تقطع الطريق على تكرارها”، يقول أحمد الخطيب، أحد النشطاء الذين وثقوا المجزرة ميدانيًا.
ختامًا.. المجزرة لم تنتهِ
ربما مرت 12 سنة على الهجوم، لكن شبح السارين لا يزال يخيم على ذاكرة السوريين. فالمجزرة التي اختنقت فيها الغوطة لم تكن نهاية لجرائم الحرب في سوريا، بل بداية لفصل طويل من الإفلات من العقاب، لا تزال نهايته مجهولة حتى اليوم.



