“وساطة” أميركية أم ابتزاز سياسي؟ لبنان في قبضة التناقضات الإقليمية

خاص مناشير
في الوقت الذي تبنّت فيه حكومة نواف سلام قرارًا صريحًا بـ”حصر السلاح” بيد الدولة، كان من الطبيعي توقّع ردّ فعلٍ إسرائيلي يُواكب هذه الخطوة، خصوصًا من حيث خفض التصعيد أو اتخاذ إجراءات توازي هذا القرار اللبناني الجريء. إلا أنّ شيئًا من هذا لم يحدث، ما يضع اللبنانيين مجددًا في موقع المتفرّج، ينتظرون إشارة من تل أبيب لتحديد سقف “التنازلات” التي يمكن أن تُمنح لهم، وكأنّهم الطرف المعتدي.
في خلفية هذا المشهد، يبرز الدور الأميركي، وتحديدًا عبر المبعوث توم برّاك، الذي بدا حاسمًا وواضحًا إزاء ما يُطلب من حكومة لبنان، ومن “حزب الله”، والشيعة، وربما من الطائفة بأكملها، لكنه لم يتطرّق ولو بإشارة إلى ما يجب على إسرائيل فعله في المقابل. تجاهُل المطالب اللبنانية الأساسية – من الانسحاب من النقاط الحدودية الخمس، إلى الإفراج عن الأسرى، ووقف الاعتداءات اليومية – يطرح علامات استفهام حول نزاهة الوسيط الأميركي.
وساطة أم إدارة أزمة؟
ما يزيد الصورة تعقيدًا، هو أنّ مهمة الوسيط الأميركي لا تبدو “وساطة” بقدر ما هي إدارة ضغط متواصل على لبنان، دون إلزام الطرف الآخر بأيّ مسؤولية. الأدهى، أن واشنطن لا تخجل من دعم سياسات قمعية في أماكن أخرى من الإقليم، كما في السويداء وسوريا وغزّة، حيث تُحمّل الضحية مسؤولية الكارثة، وتبرّئ الجلاد.
فكيف يمكن، في ظل هذه المعايير المزدوجة، الحديث عن دورٍ أميركي “متوازن” في الملف اللبناني؟
إسرائيل: بين التصعيد والاستفادة من الانشغال
إسرائيل، التي لا تزال تواصل عملياتها العسكرية واغتيالاتها في المنطقة، وتلوّح بتهديدات تصل إلى مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، لا تُظهر أيّ نية لتهدئة الجبهة اللبنانية، رغم الخطوات التي بدأتها الحكومة في بيروت. بل أكثر من ذلك، تُمارس سياسة قتل شبه يومي بحق اللبنانيين، تحت ذريعة الردع أو الاستباق.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات مستشار المرشد الإيراني، يحيى صفوي، الذي حذّر من أنّ التهدئة قد تنهار في أيّ لحظة، ما يعيد المنطقة إلى أجواء الحرب.
هل يمكن فصل لبنان عن السياق الإقليمي؟
قد يُقال في بيروت إنّ لبنان ليس معنيًّا بصراعات إيران وإسرائيل، لكنّ الواقع الإقليمي لا يسمح بعزل الساحة اللبنانية. فإسرائيل لا تتعامل مع الجنوب اللبناني بوصفه مجرّد “حدود”، بل كمسرحٍ مفتوح ضمن استراتيجيتها الإقليمية.
في المقابل، ثمّة سذاجة في الداخل اللبناني، وأوهام تُروّج بأنّ الأوضاع تحت السيطرة، وأنّ الأمور في طريقها إلى الحل، بينما الحقيقة على الأرض تقول عكس ذلك تمامًا.
خلاصة
ما يحصل اليوم ليس مجرد “وساطة” سياسية، بل إعادة صياغة للتوازنات في المنطقة، يُطلب فيها من لبنان الكثير، دون ضمانات أو مكاسب واضحة. وبينما تنخرط الحكومة في محاولة شجاعة لاستعادة القرار السيادي، ترفض إسرائيل حتى منح اللبنانيين أبسط مقوّمات الأمن.
وسط هذا المشهد، تبدو واشنطن غير مؤهّلة – أو غير راغبة – في لعب دور الضامن الحقيقي، لتبقى بيروت عالقة بين نوايا طيّبة غير مكتملة، وضغوط إقليمية لا ترحم.



