هل تتحول دول الخليج من الدفاع إلى الهجوم وكيف يمكنها إظهار قوتها الهجومية؟

د. خالد العزي
على مرّ الأعوام، أثبتت دول الخليج العربي قدرتها الاستثنائية على ضبط النفس، لا سيما في ظل التهديدات المتكررة، والتدخلات الإقليمية المعقدة. ومع ذلك، بعد أن أظهرت إيران قدرة دفاعية متطورة، خاصة مع تصاعد الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها دول الخليج بنسبة 83% من قدراتها الدفاعية في غضون شهر واحد، أصبح من الضروري أن تتحول استراتيجية الخليج إلى الردع النشط، وأن يظهروا قوة هجومية واضحة ومؤثرة.
ما كان في السابق مجرد ردود أفعال دفاعية، بات الآن يتطلب مواقف هجومية استباقية للحفاظ على أمن دول الخليج واستقرارها، والتعامل مع العدوان الإيراني المتزايد، خصوصًا في ظل الحروب الباردة والمواجهات المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومن هنا، تظهر الحاجة لتطوير عقيدة قتالية خليجية تأخذ في الاعتبار الردع الاستباقي والتكامل بين الدفاع والهجوم.
التحول للهجوم الاستباقي: المبادرة بدلاً من الانتظار
إحدى أكبر التحديات التي تواجه أي استراتيجية دفاعية هي انتظار الهجوم. دول الخليج يجب أن تتبنى مفهوم الهجوم الاستباقي، بمعنى أن المبادرة يجب أن تكون دائمًا في أيديها. فالانتظار حتى تقع الهجمات يعني الوقوع في فخ التبعية والضعف الاستراتيجي. لذا، من الأهمية بمكان تطوير قدرات هجومية استباقية مثل الضربات الوقائية على المنشآت العسكرية الإيرانية أو الوكلاء المتحالفين معها، مع تكثيف تطوير الأسلحة المتقدمة مثل الطائرات بدون طيار، الأنظمة الذكية، وكذلك الأسلحة الدقيقة التي تمكنهم من ضرب مصادر التهديد قبل تفاقمها.
تكامل الدفاع الصاروخي: درع خليجي موحد
أحد أعمدة الاستراتيجية الدفاعية الحديثة هو إنشاء درع دفاعي خليجي موحد قادر على التصدي للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة. إن التهديدات الإيرانية تتزايد بشكل كبير في هذا المجال، حيث يزداد استخدامها للأسلحة المتطورة. لذلك، يجب على دول الخليج أن تتعاون بشكل وثيق في تطوير أنظمة دفاع صاروخي متكاملة، مثل أنظمة الباتريوت وثاد (THAAD)، جنبًا إلى جنب مع التكنولوجيا المتقدمة للرصد والإنذار المبكر. هذا التكامل سيخلق شبكة دفاعية خليجية متكاملة توفر حماية شاملة لكل الدول الخليجية، ما يمكّنهم من الرد بشكل مشترك على أي تهديدات غير متوقعة.
عقيدة الحروب غير المتناظرة: مرونة في التعامل مع الوكلاء
في ظل التهديدات المتزايدة من الميليشيات والجماعات المسلحة، يتعين على دول الخليج تطوير عقيدة الحروب غير المتناظرة لمكافحة الأنشطة الإرهابية والتهديدات التي تستخدم أساليب غير تقليدية. هذه الحروب تمثل تهديدًا رئيسيًا لاستقرار المنطقة، لذا يجب على الخليج تجهيز وحدات قتالية مرنة ومؤهلة للتعامل مع الوكلاء العسكريين، والميليشيات، باستخدام أحدث تكنولوجيا مثل الطائرات من دون طيار، والعمليات الاستخباراتية الدقيقة. هذا النهج سيضمن مواجهة فعالة للمخاطر غير التقليدية التي تهدد الأمن الإقليمي.
الأمن السيبراني والملاحي: حماية الممرات الحيوية
تمثل الممرات الملاحية في الخليج، مثل مضيق هرمز، مفاتيح استراتيجية في تجارة النفط والطاقة العالمية، مما يجعلها هدفًا دائمًا للهجمات السيبرانية والتهديدات العسكرية. من هنا تأتي أهمية تعزيز الأمن السيبراني، إذ يجب على دول الخليج تحسين أنظمتها الدفاعية في هذا المجال لحماية المنشآت الحيوية مثل مرافق النفط، الموانئ البحرية، والبنية التحتية الرقمية العسكرية. تأمين هذه الممرات الحيوية سيجعل دول الخليج قادرة على مواجهة تهديدات الهجمات الرقمية التي قد تؤثر بشكل كبير على أمنها الاقتصادي والعسكري.
الاكتفاء الذاتي العسكري: توطين الصناعات الدفاعية
إحدى الركائز الأساسية في أي استراتيجية عسكرية قوية هي الاكتفاء الذاتي العسكري. ولهذا، ينبغي على دول الخليج التركيز على توطين الصناعات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين. إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية محليًا، خاصة في فترات الأزمات، سيمنح دول الخليج قدرة على الاستجابة الفورية لحماية مصالحها، وبالتالي تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. كما سيسهم ذلك في تقليل التكاليف المرتبطة بالاستيراد، ويسهم في تنمية القدرات التكنولوجية المحلية، مما يجعلها جاهزة لتلبية احتياجات الدفاع الوطني بكفاءة.
من الدفاع إلى الهجوم
إن التحول من الدفاع السلبي إلى الردع النشط والمشترك هو الطريق الذي يجب أن تتبعه دول الخليج لضمان أمنها واستقرارها في وجه التهديدات المتزايدة من إيران وأذرعها العسكرية. من خلال استراتيجيات هجومية استباقية، وتكامل الدفاعات الصاروخية، وتطوير الحروب غير المتناظرة، وزيادة التعاون السيبراني، واكتفاءها الذاتي العسكري، ستتمكن دول الخليج من الإشارة إلى قوتها الهجومية المدروسة والمتطورة.
بذلك، ستكون دول الخليج جاهزة لإظهار قوتها الهجومية ليس فقط في الدفاع عن نفسها بل في ردع أعدائها، مع الحفاظ على الاستقلالية، بعيدًا عن الانجرار وراء القوى الكبرى أو الوقوع في فخ الحروب الإقليمية التي لا تفيد مصالحها.



