“مستقبل العلاقات العراقية _ السورية” في ظل الظروف الأمنية والأنقسامات الطائفية – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
لا يمكن قراءة مستقبل العلاقات العراقية _ السورية بمعزل عن الجغرافيا السياسية التي حكمت البلدين لعقود طويلة ولا عن التحولات الأمنية العاصفة التي شهدتها المنطقة منذ العام 2003 في العراق ثم منذ العام 2011. في سوريا فإن الدولتان لا ترتبطان فقط بحدود تمتد لأكثر من ستمائة كيلومتر بل تتقاسمان إرثا تأريخيا و إجتماعيا و أقتصاديا يجعل أمن كل منهما أمتدادا مباشرا لأمن الآخر وأي أضطراب في إحدى الساحتين ينعكس تلقائيا على الساحة المقابلة وفي الوقت الذي تدخل فيه المنطقة مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية تبدو العلاقات العراقية السورية أمام أختبار بالغ التعقيد إذ تتداخل فيها كل الأعتبارات الأمنية مع الحسابات الطائفية وتتقاطع فيها المصالح الوطنية مع نفوذ القوى الإقليمية والدولية لتصبح العلاقة بين بغداد ودمشق واحدة من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط حيث
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحدود السياسية بين البلدين لم تعد تشكل حاجزا أمام إنتقال التهديدات الأمنية فتنظيم داعش الإرهابي إستطاع خلال فترة زمنية قصيرة أن يحول المناطق الصحراوية الممتدة بين العراق وسوريا إلى مسرح عمليات مفتوح مستفيدا من ضعف السيطرة الحكومية وتعقيدات البيئة المحلية ورغم الهزيمة العسكرية التي تعرض لها تنظيم داعش الإرهابي إلا أن البيئة الأمنية التي سمحت بظهوره لم تختفي في الكامل بل ما تزال قائمة بدرجات متفاوتة و هو الأمر الذي يجعل التعاون الأمني بين بغداد ودمشق ضرورة إستراتيجية لا خيارا سياسيا.
ومن هنا فإن مستقبل العلاقات العراقية السورية سيظل مرتبطا بمدى قدرة الطرفين على بناء منظومة أمنية مشتركة تعتمد على تبادل المعلومات المخابراتية و الأستخباراتية وتأمين الحدود ومنع إعادة تشكل الجماعات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود و أن العراق يدرك أن أي فراغ أمني داخل الأراضي السورية ستكون له إنعكاسات مباشرة على المحافظات الغربية و كما تدرك دمشق أن إستقرارها لا يمكن أن يكتمل دون وجود شريك عراقي قادر على ضبط حدوده ومنع تدفق المقاتلين والأسلحة غير أن العامل الأمني ليس التحدي الوحيد فهناك الأنقسام الطائفي الذي أصبح أحد أبرز المحددات السياسية في المنطقة فقد ساهمت سنوات الحرب في إنتاج أستقطابات مذهبية حادة أنعكست على بنية المؤسسات السياسية وعلى طبيعة التحالفات الداخلية والخارجية وهو ما جعل العلاقات العراقية السورية تخضع أحيانا لتفسيرات طائفية أكثر من خضوعها للمصالح الوطنية.
وفي العراق ما تزال الساحة السياسية تعيش حالة من التنافس بين قوى تنظر إلى العلاقة مع سوريا بأعتبارها أمتدادا لمحور سياسي إقليمي وبين قوى أخرى ترى ضرورة إعادة صياغة العلاقات الخارجية وفق مبدأ المصالح الوطنية بعيدا عن الاصطفافات الأيديولوجية و أما في سوريا فإن إستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والعسكري يجعل من الصعب بناء علاقات طبيعية ومستقرة مع جميع الأطراف الإقليمية بما فيها العراق.
ورغم ذلك فإن القراءة الواقعية تشير إلى أن المصالح المشتركة بدأت تتغلب تدريجيا على الأعتبارات الأيديولوجية خاصة مع تصاعد التحديات الأقتصادية والأمنية حيث أن العراق يحتاج إلى منفذ إستراتيجي نحو البحر الأبيض المتوسط عبر الأراضي السورية و كما تحتاج سوريا إلى الأسواق العراقية بأعتبارها من أكبر الأسواق العربية القادرة على المساهمة في إعادة تنشيط الأقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب و كما أن مشاريع الربط التجاري وخطوط النقل والطاقة يمكن أن تشكل نقطة تحول في العلاقات الثنائية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة الأمنية المناسبة فإن الأقتصاد غالبا ما يكون أكثر قدرة من السياسة على تجاوز الخلافات و لأنه يقوم على المصالح المتبادلة لا على الإنتماءات الأيديولوجية.
و من الجانب الإقليمي لا يمكن تجاهل تأثير القوى الفاعلة في مستقبل العلاقة بين البلدين حيث أن إيران تنظر إلى العراق وسوريا بأعتبارهما جزءا من منظومة أمنية مترابطة و بينما تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها في الشمال السوري والعراقي لأسباب تتعلق بأمنها القومي والقضية الكردية و في المقابل ما تزال الولايات المتحدة الأميركية تحتفظ بنفوذ عسكري وسياسي في أجزاء من شرق سوريا إضافة إلى تأثيرها في القرار العراقي وهو الأمر الذي يجعل العلاقات العراقية السورية محكومة أيضا في التوازنات الدولية.
و هذا التشابك في المصالح يجعل من بغداد لاعبا حساسا يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مختلف القوى الإقليمية إذ تحاول الحكومة العراقية إعتماد سياسة خارجية تقوم على مبدأ تصفير الأزمات وعدم الأنخراط في الصراعات الإقليمية وهو ما يمنحها فرصة للعب دور الوسيط بدلا من أن تكون طرفا في النزاعات وفي المقابل فإن دمشق تنظر إلى العراق بوصفه أحد أهم المنافذ العربية التي يمكن أن تسهم في كسر العزلة السياسية و الأقتصادية التي فرضتها سنوات الحرب والعقوبات الدولية ولذلك فإن تعزيز العلاقات الثنائية يمثل مصلحة إستراتيجية للطرفين و لكنه يظل مشروطا في أستمرار الإستقرار الداخلي في العراق وتحسن البيئة الإقليمية و أما على المستوى المجتمعي فإن الروابط العشائرية و الإجتماعية الممتدة بين البلدين تشكل عاملا إيجابيا يمكن إستثماره في تعزيز الإستقرار و لكنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى مصدر تهديد إذا أستمرت الجماعات الإرهابية المسلحة في أستغلال هذه الإمتدادات العابرة للحدود ولذلك فإن التنمية الاقتصادية للمناطق الحدودية تبقى جزءا أساسيا من أي إستراتيجية أمنية طويلة الأمد.
ومن المتوقع أن يشهد المستقبل ثلاثة سيناريوهات رئيسية للعلاقات العراقية السورية وهي
السيناريو الأول _ يتمثل في الشراكة الإستراتيجية حيث ينجح البلدان في تطوير التعاون الأمني و الأقتصادي وإعادة تنشيط المعابر الحدودية وإطلاق المشاريع المشتركة في مجالات النقل والطاقة والأستثمار وهو السيناريو الأكثر فائدة للبلدين و للمنطقة.
السيناريو الثاني _ فهو الإستقرار الهش الذي تستمر فيه العلاقات الرسمية دون تحقيق أختراقات كبيرة مع بقاء التنسيق الأمني في حدوده و إستمرار التأثر في الصراعات الإقليمية.
السيناريو الثالث _ عودة التوترات الأمنية نتيجة تصاعد الصراعات الطائفية أو عودة التنظيمات الإرهابية أو أتساع نطاق المواجهات الإقليمية وهو السيناريو الذي ستكون كلفته مرتفعة على الأمن الوطني العراقي والسوري معا.
حيث إن القراءة الموضوعية تشير إلى أن العامل الحاسم في مستقبل العلاقات لن يكون الإنتماء الطائفي بقدر ما سيكون قدرة الدولتين على ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية فكلما تعززت المؤسسات الرسمية وتراجعت هيمنة الفاعلين غير الحكوميين أزدادت فرص بناء علاقة مستقرة قائمة على المصالح المشتركة و يمكن القول إن مستقبل العلاقات العراقية السورية لن تحدده الشعارات السياسية ولا التحالفات المؤقتة بل ستحدده معادلة ثلاثية تقوم على الأمن المشترك والتنمية الإقتصادية و الإستقلال النسبي في القرار السياسي وإذا أستطاعت بغداد ودمشق تحويل الجغرافيا من مصدر للتهديد إلى فضاء للتكامل فإنهما ستؤسسان لمرحلة جديدة من التعاون الإقليمي تسهم في تعزيز الإستقرار في المشرق العربي أما إذا بقيت الحسابات الطائفية والصراعات الخارجية هي العامل المهيمن فإن الحدود المشتركة ستظل ساحة مفتوحة أمام مسلسل الأزمات وسيبقى مستقبل العلاقة رهينة لتوازنات تتجاوز إرادة الدولتين.



