“ليلة سقوط الحصانات”.. هل دخل العراق مرحلة كسر منظومة الفساد؟ – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
لم تكن العاصمة بغداد في تلك الليلة مدينة تعيش إجراءات أمنية إعتيادية ولم يكن إنتشار القوات الخاصة وجهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي حول المنطقة الخضراء مجرد أستعراض للقوة أو تحركات أحترازيا فرضته معطيات أمنية طارئة بل بدأ المشهد وكأنه إعلان رسمي عن إنتقال الدولة العراقية إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف الفساد وهي مرحلة تختلف جذريا عن سنوات طويلة بقيت فيها ملفات النزاهة حبيسة الأدراج أو أوراقا تستخدم في الصراعات السياسية أكثر مما تستخدم لتحقيق العدالة.
فإن الإنتشار الأمني الواسع وإغلاق مداخل المنطقة الخضراء والمداهمات المتزامنة داخل العاصمة بغداد و باقي المحافظات وهي بذاتها كلها رسائل سياسية وأمنية وقضائية تحمل معنى واحدا أن الدولة قررت على الأقل وفق المعطيات الحالية الإنتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة التنفيذ و من الإعتراف إلى المداهمة و لطالما بقيت أعترافات المتهمين في قضايا الفساد مجرد معلومات تضاف إلى ملفات التحقيق دون أن تترجم إلى إجراءات حقيقية إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول نوعي في طريقة التعاطي مع هذه الملفات و
فبحسب ما يتم تداوله فإن أعترافات وكيل وزارة النفط الأسبق عدنان الجميلي لم تتوقف عند حدود الإقرار الشخصي وإنما تحولت إلى خريطة كاملة لشبكات النفوذ التي إمتدت داخل مؤسسات الدولة وهو الأمر الذي دفع القضاء إلى إصدار سلسلة من أوامر القبض بحق شخصيات سياسية وإدارية وأمنية بعضهم يتمتع بحصانات ونفوذ واسع. وهنا تكمن أهمية الحدث إذ إن القضية لم تعد مرتبطة بمتهم منفرد وإنما في منظومة متكاملة يعتقد أنها تشابكت فيها المصالح السياسية و الإقتصادية والإدارية طوال سنوات.
وهنا كسر الخطوط الحمراء حيث منذ العام 2003. أرتبط الحديث عن مكافحة الفساد بخطابات سياسية متكررة إلا أن التطبيق ظل يصطدم دائما بما يسمى الخطوط الحمراء حيث بقيت شخصيات نافذة بمنأى عن المساءلة بفعل الحصانات أو التوازنات الحزبية أو الضغوط السياسية و لكن إذا صحت المعلومات المتداولة حول شمول أعضاء في مجلس النواب ومسؤولين كبار بأوامر القبض فإن ذلك يمثل تطورا إستثنائيا قد يعيد رسم العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والنخب السياسية و أن رفع الحصانة عن نائب أو ملاحقة مسؤول نافذ لا يحمل بعدا قانونيا فقط بل يبعث برسالة مفادها أن النفوذ السياسي لم يعد يشكل حصنا مطلقا أمام القضاء وهي رسالة طالما طالب بها الشارع العراقي منذ سنوات الأحتجاجات الأولى وحتى اليوم.
و السؤال لماذا الآن؟ وهو السؤال الأكثر حضورا في الأوساط السياسية هو لماذا جاءت هذه الحملة في هذا التوقيت تحديداً؟
هناك عدة أحتمالات يمكن قراءتها سياسيا ومنها.
الأحتمال الأول _ أن التحقيقات وصلت بالفعل إلى مرحلة أصبحت معها الأدلة كافية لإصدار أوامر قضائية وهو السيناريو الذي يمنح الحملة طابعا قانونيا بحتا.
الأحتمال الثاني _ فهو أن الحكومة العراقية تسعى إلى أستعادة ثقة الشارع عبر تقديم نموذج مختلف في مكافحة الفساد خصوصا بعد تراكم الأنتقادات بشأن بطء الإصلاحات الأقتصادية والإدارية.
في حين يرى مراقبون أن الحملة قد تكون أيضا جزءا من إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة بحيث يتم تفكيك شبكات نفوذ تراكمت خلال السنوات الماضية و تمهيدا لإعادة بناء مؤسسات أكثر أنضباطا ورغم إختلاف التفسيرات فإن النتيجة واحدة وهي العراق يشهد تحركات غير مسبوقة من حيث حجم الشخصيات المستهدفة وطبيعة الإنتشار الأمني المصاحب له.
وهي رسالة أمنية في أختيار الجيش العراقي الباسل و جهاز مكافحة الإرهاب و قوات الفرقة الخاصة للمشاركة في تنفيذ أوامر القبض لم يكن تفصيلا ثانويات بل هذه التشكيلات تعد من أكثر المؤسسات العسكرية أنضباطا و مهنية وغالبا ما تكلف في العمليات ذات الحساسية العالية و وجودها في قلب العملية يحمل أكثر من رسالة ومنها _
أولا _ أن الحكومة أرادت ضمان تنفيذ أوامر القضاء دون تدخل أو مقاومة من مراكز النفوذ.
ثانيا _ أن الدولة كانت تتوقع أحتمالية حدوث أعتراضات أو محاولات لإفشال عمليات الأعتقالات.
ثالثا _ أن الملف لا ينظر إليه كقضية فساد مالية فقط بل بأعتباره قضية تمس هيبة الدولة وسيادة القانون.
و أن ملف الفساد هو منظومة لا أفراد فقط و أكبر خطأ يمكن الوقوع فيه هو الأعتقاد أن الفساد في العراق يرتبط بعدد محدود من المسؤولين حيث أن الفساد خلال العقدين الماضيين تحول إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة مع الأقتصاد والمقاولات مع المناصب والعقود مع الولاءات الحزبية و لذلك فإن أعتقال شخصيات مهما كان حجمها لا يعني في الضرورة القضاء على الفساد و ما لم تترافق تلك الإجراءات مع إصلاحات هيكلية تشمل منها إعادة بناء منظومة الرقابة و إصلاح التشريعات الخاصة في العقود الحكومية و حماية القضاء من الضغوط السياسية و ضمان إستقلال هيئات النزاهة و تعزيز الشفافية في إدارة المال العام و ملاحقة شبكات غسل الأموال وتهريب الأموال إلى الخارج.
فإن ملف الفساد لا يعيش في شخص وإنما يعيش داخل بيئة تسمح له في الإستمرار و أختبار القضاء العراقي يقف اليوم أمام أحد أصعب أختباراته منذ عدة سنوات.
فإذا كانت أوامر القبض قد صدرت بالفعل أستنادا إلى أدلة وتحقيقات مكتملة فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية لأنها تتعلق في المحاكمات وإثبات الوقائع وإصدار الأحكام وهنا ستكون الأنظار متجهة نحو مدى قدرة القضاء على الحفاظ على إستقلاليته بعيدا عن الضغوط السياسية والإعلامية
و إن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المعتقلين وإنما بعدد الأحكام القضائية النهائية المبنية على الأدلة والقانون.
وهنا الشارع العراقي بين التفاؤل والحذر و لطالما أستقبل حملات مكافحة الفساد بمزيج من الأمل والشك و لأن العراقيين يدركون أن الفساد كان السبب الرئيس في تعطيل التنمية و أستنزاف الثروات و لأن تجارب سابقة أنتهت بإغلاق الملفات أو تسويتها سياسيا أو إطلاق سراح المتهمين بعد فترة قصيرة ولهذا فإن الرأي العام لن يكتفي هذه المرة بصور الأعتقالات أو بيانات الحكومة بل سينتظر النتائج النهائية هل ستستعاد الأموال؟.
وهل ستصدر أحكام قضائية؟.
وهل ستستمر الحملة دون تمييز؟.
وهنا تكمل التحديات المرحلة المقبلة إذا كانت هذه الحملة تمثل بداية لمسار طويل فإنها ستواجه تحديات كبيرة أبرزها
مقاومة شبكات المصالح المتضرر و الضغوط السياسية و الإعلامية و محاولات تسييس الملف
و الحاجة إلى حماية الشهود المحققين و ضمان عدم أستغلال الحملة لتصفية الخصوم السياسيين ومن هنا فإن نجاحها لن يعتمد فقط على القوة الأمنية وإنما على قوة الأدلة القانونية و إستقلال القضاء.
سواء كانت هذه الليلة بداية تحول تأريخي في مكافحة الفساد أو مجرد محطة ضمن صراع سياسي أوسع فإنها تمثل لحظة فارقة في المشهد العراقي و أن الدولة وللمرة الأولى منذ سنوات تبدو وكأنها تحاول نقل ملف الفساد من دائرة الخطابات إلى دائرة التنفيذ ومن التصريحات إلى أوامر القبض ومن الأتهامات الإعلامية إلى ساحات القضاء و غير أن الحكم النهائي لن يصدر اليوم ولا بعد أنتهاء المداهمات بل عندما تحسم القضايا داخل المحاكم و تستعاد الأموال المنهوبة ويشعر المواطن العراقي أن القانون أصبح يعلو على النفوذ وأن الدولة أستعادت قدرتها على محاسبة الجميع بلا إستثناء عندها فقط يمكن القول إن العراق لم يشهد مجرد ليلة أعتقالات بل شهد بداية مرحلة جديدة تكتب فيها معادلة مختلفة عنوانها لا حصانة أمام القانون ولا حماية للفاسدين إذا ما أقترنت الإرادة السياسية في إستقلال القضاء وسيادة الدولة.



