لبنان في عين العاصفة.. هل يعي المسؤولون خطورة المرحلة!؟
لبنان في عين العاصفة.. هل يعي المسؤولون خطورة المرحلة!؟

جميل الحسيني – مناشير
تنذر المواقف التي تعكسها التصريحات شبه اليومية للاطراف السياسية والحزبية في لبنان باتساع حجم الشروخات وزيادة التباعد في المسافات وسقوط التقاطعات التي غالبا ما كانت تشكل صمام العودة الى الاستقرار الداخلي، ولئن ارتدت معظم المواقف لبوس الخطاب المذهبي وأحياناً الفرز الطائفي والجغرافي إلا أن الأخطر وصولها إلى حد إطلاق النعوت المتصلة بالجذر العقائدي والثقافي والعرفي، وهذا ما يجعل الهوة بين الأفرقاء أكثر عمقاً وكأن عناصر الالتقاء في الابعاد الوطنية لم تعد موجودة وتمترست في خطوط متوازية لا امكانية فيها للجمع او أنها وصلت الى نقطة الافتراق بما يعني في المعادلة اللبنانية حتمية الصدام.
هكذا كانت آفة التركيبة الميتافيزيقية للبنان منذ تشكّله على الخارطة الدولية إلى أن أتى الطائف الذي أمل المجتمعون عليه أن يؤمن قاعدة جامعة ويشكّل منطلقاً لبناء الدولة الحاضنة، إلا أن التحدّيات الامنية والجيوسياسية التي فرضها الاحتلال الصهيوني وعوامل التشظّي الداخلي نتيجة التدخلات والضغوط الخارجية حالت دون تكوين البوتقة الواحدة التي تضم الأضداد وتنسج الصلات الواقعية بين المتناقضات، فضلاً عن اختلاف رؤية كل فريق لهوية لبنان ومستقبله وتفسيره لسيادته واستقلاله.
بدا لبنان بعد تحرير العام ٢٠٠٠ نتيجة التضحيات التي قدمتها فصائل المقاومة الوطنية والاسلامية وكأنه أخذ طريقه الى ترجمة صيغته الوطنية وبنيانه المتماسك، وتكرّس هذا الشعور بعد الانتصار في عدوان تموز ٢٠٠٦ لينعم البلد ولا سيما في الجنوب بأمن وأمان طيلة ١٨ عاماً حتى انقلبت المعادلة بعد عدوان أيلول ٢٠٢٤ بتداعياته المدمّرة على صعيد الاستقرار السياسي والاقتصادي وما نتج عنها من تشرذم فادح وانقسام عمودي يحمل في طياته تهديداً حقيقياً يتربّص بكيانية لبنان وامكان استمراره وينذر بتفكك ترابط عناصره البنيوية على الصعد كافة، حيث يرى البعض في الطغيان الامريكي – الاسرائيلي فرصة لاجترار واقع التقسيم والعزل السياسي لمكوّنات رئيسية بما يتقاطع مع المشروع الصهيوني في تفتيت البلد وابتلاعه.
يجري كل هذا و”إسرائيل” ماضية في ممارسة اعتداءاتها اليومية بحق لبنان واللبنانيين دون رادع او وازع وبغطاء ودعم أمريكي كامل ومباشر، ويتلاقى ذلك مع ضغط دولي خارجي لوضع الحكومة في مواجهة شريحة كبيرة من الشعب كابدت منذ عشرات السنين وما تزال ويلات الاحتلال سعياً لتعقيد الأزمة الداخلية وإعلاء جدران العزل بين أبناء الوطن الواحد، مع ما يحمله هذا الواقع من مآلات كارثية تطال الجميع دون استثناء، في حين أن الواجب الوطني يفرض على كل من يدّعي المواطنة المبادرة إلى نزع فتائل التفجير الداخلي بتغليب الأولويات المبنية على الدراية والتعقل بما هي مصلحة لبنان واللبنانيين.
لا بد من الاعتراف بأن لبنان لم يكن يوماً معبّراً عن إجماع شامل أو تكامل فيما بين مكوّناته الإنسانية والفكرية، ولكن مقتضى الشعور بالانتماء الوطني يستوجب تغليب المصلحة العامة أولاً من خلال إقرار الجميع بضرورة استجماع أشلاء الوطن بعد الحرب الصهيونية التدميرية الأخيرة، ولا يكون ذلك إلا بتحرير الارض المحتلة وانسحاب العدو من النقاط التي استحدثها داخل الارض اللبنانية، وتحرير الاسرى المقاومين اللبنانيين والمدنيين من سجون الاحتلال وإعادة إعمار القرى التي دمرها العدوان الصهيوني ولا سيما في القرى الجنوبية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة ليتسنّى للاهالي العودة إلى منازلهم وأرزاقهم، ولا استثناء لأحد في هذه الضرورة وفي مقدمتهم الدولة والحكومة وأجهزتها ومؤسساتها، وبعد ذلك يصار الى تفاهم داخلي يضع صيغة مناسبة لمعالجة قضية السلاح بما يحفظ للبنان حريته وسيادته واستقلاله.
لقد كان اتفاق الطائف أفضل الممكن، ولكنه استطاع أن يجمع المتحاربين على طاولة واحدة على الرغم من الإرث الأسود الذي طغا على البلد، وأوقف الحرب الاهلية ووضع حداً للنزف الداخلي، ولا مانع اليوم من أن يعود اللبنانيون للالتقاء تحت سقف واحد في حوار داخلي حقيقي يطرح فيه كل طرف رؤيته ونظرته حيال الملفات المختلفة داخليا وخارجيا والاتفاق على مشروع واحد موحد لبناء لبنان الجامع لكل أبنائه على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية والطائفية.. إن هذا الأمر ممكن الحدوث إذا صفت النوايا وصدقت المواقف وخلصت الأهداف دون تأثر بإملاء من هنا أو تبعية من هناك .. وهكذا يكون الاستقلال والسيادة الحقيقية.



