خبر عاجلمقالات

كفرتبنيت… ضيعتي التي أضعتها – خالد العزي 

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

كفرتبنيت… ضيعتي التي أضعتها – خالد العزي

 

 

د. خالد العزي

 

لم أكن أعرف، وأنا أخرج من قريتي فجر الثاني من آذار من هذا العام، أنني ربما لن أعود إليها كما عدت إليها في كل المرات السابقة. لم أكن أعرف أن ذلك الصباح سيكون مختلفًا، وأن الطريق الذي حفظته طوال حياتي قد يقودني هذه المرة إلى غربة أطول، وربما إلى قرية لن أجدها حين أعود.

 

عشت طوال حياتي في التهجير، وتربيت على ضوء الشمعة، وكنت أقرأ دروسي على ضوء القنديل. تأقلمنا مع أصوات المدافع، ومع هدير الطائرات، ومع أصوات «أم كامل» التي كانت بالنسبة إلى جيلنا تعني طائرات التجسس. ومع ذلك، كان هناك دائمًا أمل بالعودة إلى قريتي، إلى بيت أهلي وبيت أجدادي، إلى المكان الذي ولدت فيه وتربيت، وإلى المدارس التي تعلمت فيها، وإلى الطرق والأحراج والوديان والتلال التي كانت تنمو فيها طفولتي.

 

كانت كفرتبنيت بالنسبة إليّ أكثر من قرية. كانت عالمًا كاملًا يمتد من أرنون إلى المنصورة، ومن نهر زريقون وزيتون وحلة إلى الزفاتة ونبع الجرمق، وصولًا إلى حرش الطهرة، حيث كان المرقد أو الولي علي طاهر محطة من محطات طفولتنا.

 

هناك، كانت الطبيعة جزءًا من حياتنا اليومية. كان الصدى همّنا، والحساسين ولعتنا في الربيع، وكان زهر القندول الزهري يجاور زهر اللوز الأبيض، فيما تنتشر خضرة نبتة البلان في كل مكان. وكان كل ما يعيش على البيادر يعرف طبيعة صيد الفخوخ وملاحقة الأوابِر، وكنا ننتظر الربيع لنستعد للصيد بتلك الطريقة البسيطة والجميلة التي عرفناها في قريتنا.

 

كنا نصنع الدبق بأيدينا من الصبار والسكر، نغليهما معًا، ثم نضع المادة على القضبان الصغيرة التي تنتشر بين الأشجار، وننتظر أن تحط الحساسين عليها. كانت تلك التفاصيل الصغيرة تشكل جزءًا من طفولتنا، وربما لم نكن ندرك يومها أنها ستصبح بعد سنوات ذاكرة نخاف عليها من الضياع.

 

وكانت كفرتبنيت أيضًا طريقًا شرقية تربط النبطية ومرجعيون وجزين والوادي الأخضر بوادي الليطاني وصولًا إلى البقاع الغربي. موقعها جعلها جزءًا من حركة المنطقة، لكن بالنسبة إلينا كانت قبل كل شيء ضيعة نعرف حجارتها وطرقاتها وشجرها وبيوتها.

 

كم كنت أحب قريتي الجميلة.

 

عشت فيها حياة بسيطة، حياة الفقر القروي الذي لم نكن نراه فقرًا في ذلك الوقت، لأننا كنا نملك ما هو أثمن: الأرض، والبيت، والجيران، والأهل، والذاكرة، ومواسم الربيع، وحرية الركض بين الأشجار والوديان.

 

لكنني لم أكن أعرف أنني سأشتاق إليها يومًا كما أشتاق إليها اليوم.

 

عندما خرجنا من بيتنا هذه المرة، كنت الوحيد في العائلة الذي قلت للجميع إن الغربة قد تكون طويلة، وإننا لا نعرف إذا كانت العودة ستكون طبيعية كما كانت في المرات السابقة. لقد تهجرنا مرات كثيرة، وكنا في كل مرة نخرج ونحن نعتقد أننا سنعود.

 

حتى السابع عشر من نيسان، يوم حصول مجزرة دوار كفرتبنيت، كان الأقرباء والأهل يحاولون العودة. كنت قد أخبرتهم ألا يذهبوا، لكنهم عادوا في الليل. وفي الصباح قلت لهم جملة ما زالت عالقة في ذاكرتي:

 

نصعد منتصرين، وفي الليل نعود مهزومين

 

لم أكن أعرف يومها أن هذه الجملة ستصبح أقرب إلى وصف لحياتنا كلها.

 

الوجع كبير عندما تجلس أمام التلفاز وتشاهد تفجير بيتك، وتشاهد قريتك تُهدم أمام عينيك. والأوجع من ذلك أن ترى حتى المقبرة تُجرف، وكأن المطلوب ليس تدمير البيوت فقط، بل محو كل ما يربطنا بالمكان: البيوت، الأشجار، المقابر، الذاكرة، والأحلام.

 

كان العدو يريد، في ما يبدو، أن يمحو كل ذاكرتنا وكل ما يربطنا بالضيعة.

 

وطبعًا، كان الوجع يزداد، لكننا كنا نحاول أن نعزي أنفسنا بفكرة أن ما يحدث لنا يحدث لغيرنا أيضًا. هناك نحو سبعين قرية جُرفت، وبيوت كثيرة أزيلت، ولم تكن كفرتبنيت استثناءً.

 

في قريتي، أزيل نحو تسعين في المئة من البيوت، بما فيها حارتنا؛ حيث كان بيتي وبيوت أخواتي وأقاربي وأفراد عائلتي.

 

كنت أفكر في منزل والدي الذي ورثه عن جدي، وفي البيت القديم، وفي الحوش، وفي كل ما بقي من حياة العائلة. كنت آمل أن يبقى البيت لأهلي، وأن يبقى البئر الكبير الذي كان بالنسبة إلينا بركة حقيقية؛ نخزن فيه مياه الشتاء لتكفينا في الصيف.

 

لم أحزن على بيتي كما حزن أولادي.

 

هم بكوا على سقوط البيت وتدميره، أما أنا فكان حزني أوسع من البيت نفسه.

 

كنت أحزن على كفرتبنيت. كنت أحزن على بيوت الضيعة، وعلى أهلها، وعلى الأشجار التي عشنا بينها، وعلى كل حجر كان يحمل قصة من قصصنا.

 

لكن أكثر ما ظل يؤلمني هو صورة مكتبتي.

 

كانت مكتبتي تضم أكثر من عشرين ألف كتاب، جمعتها واشتريتها منذ نعومة أظافري، ومن مصروفي الخاص الذي كنت أحاول أن أوفر منه ما يكفي لشراء كتاب. ومع مرور السنوات، تحولت تلك الكتب إلى مكتبة كبيرة، لا تضم الكتب فقط، بل تضم أيضًا مجموعات من الوثائق القديمة والمواثيق التي كنت أحتفظ بها وأعتني بها.

 

كنت أبني مكتبتي كما يبني الإنسان ذاكرته.

 

كتابًا بعد كتاب، ووثيقة بعد وثيقة.ولذلك، عندما أفكر اليوم في البيت الذي سقط، لا أرى الجدران فقط. أرى مكتبتي، وأرى السنوات التي وضعتها في كل كتاب، وأرى الطفل الذي كان يوفر من مصروفه ليشتري كتابًا جديدًا.ومع ذلك، حتى المكتبة ليست أكثر ما يحزنني.

 

أنا أحزن على القرية.

 

أحزن على بيوت ضيعتي، وعلى أهل ضيعتي، وعلى الشجر الذي تم حرقه واقتلاعه. ماذا يعني لنا هذا الشجر؟

 

يعني الكثير.كان الشجر يحيط بنا، وكان جزءًا من طفولتنا. كنا نعيش بينه، نركض تحته، ونختبئ وراءه، ونصطاد بين أغصانه، ونراقب مواسمه وهي تتغير أمام أعيننا. كان لكل شجرة مكان في ذاكرتنا، ولكل طريق ظل، ولكل وادٍ صوت، ولكل موسم رائحة.

 

لهذا، عندما تُقتلع الأشجار، لا تُقتلع الأشجار وحدها.

 

تُقتلع معها أجزاء من طفولتنا.

 

وعندما تُجرف المقبرة، لا تُجرف الحجارة وحدها.

 

تُجرف معها أسماء الذين سبقونا.

 

وعندما يهدم البيت، لا تسقط الجدران وحدها.

 

تسقط معها تفاصيل حياة كاملة.

 

لهذا أشعر اليوم أنني لم أفقد بيتًا فقط، بل فقدت مكانًا كنت أظن أنه سيبقى لي مهما طال الغياب.

 

كفرتبنيت التي خرجت منها فجر الثاني من آذار لم تعد بالنسبة إليّ مجرد مكان أعود إليه. أصبحت ذاكرة أبحث عنها بين الركام، وطفولة أخشى أن تضيع، وبيتًا لم يعد موجودًا، ومكتبة لا أعرف مصيرها، وأشجارًا لن أعرف إن كانت ستنبت من جديد.

 

ومع ذلك، تبقى كفرتبنيت حاضرة.

 

القريّة ليست بيوتها وحدها.

 

القرية أهلها، وذاكرتها، وأسماؤها، وطرقها، وأشجارها، وأصواتها، ووجوه الذين عاشوا فيها.وقد يهدمون البيوت، ويجرفون المقابر، ويقتلعون الأشجار، لكنهم لا يستطيعون بسهولة أن يقتلعوا القرية من ذاكرة أهلها.

 

أنا اليوم بعيد عن كفرتبنيت، لكنني أحملها معي.

 

أحمل الطريق إلى أرنون، والمنصورة، ونهر زريقون وزيتون وحلة، والزفاتة، ونبع الجرمق، وحرش الطهرة، وأحمل أصوات الطائرات والمدافع، وأحمل الحساسين وزهر القندول واللوز، وأحمل بيت أبي وجدي، والبئر الكبير، ومكتبتي، وكل حجر كنت أظنه ثابتًا إلى الأبد.وربما لهذا السبب تحديدًا، أدركت متأخرًا كم كنت أحب قريتي.لم أعرف قيمتها وأنا أعيش فيها.عرفتها عندما خرجت منها، ولم أعد أعرف متى سأعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى